رفضت رابطة الصحفيين السوريين في توضيح لها “مدونة سلوك” مرتقبة، تعتزم وزارة الإعلام السورية إصدارها قريباً لتنظيم العمل الصحفي.
فيمايلي نص البيان الذي صدر من الرابطة:

تابعت رابطة الصحفيين السوريين ببالغ القلق الإعلان الصادر عن وزارة الإعلام حول نيتها إطلاق ما سمّته “مدونة سلوك مهني” بتاريخ 15 شباط/فبراير 2026. وإذ تنطلق الرابطة من مسؤوليتها في حماية مكتسبات العمل النقابي وصون حرية الصحافة في المرحلة الانتقالية، فإنها تعلن رفضها القاطع لهذا التوجه، استناداً إلى المحددات الوطنية والنقابية والقانونية التالية:
أولاً: مخالفة روح ونص الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية
إن الإعلان الدستوري الذي أصدره السيد الرئيس أحمد الشرع يمثل الإطار الناظم للحقوق والحريات العامة، ويؤكد في مبادئه العامة على حرية الرأي والتعبير، كما تضمن الدولة بموجبه عمل الجمعيات والنقابات. وانطلاقاً من روح هذا الإعلان ومقاصده، فإن محاولة وزارة الإعلام فرض “مدونة سلوك” من طرف السلطة التنفيذية تُعد التفافاً على المسار الدستوري الجديد، وإعادة إنتاج لصيغ الوصاية التي تتناقض مع تطلعات السوريين إلى إعلام حر ومسؤول، ومع جوهر الانتقال السياسي القائم على توسيع المجال العام لا ضبطه إدارياً.
ثانياً: حدود الدور التنفيذي وضرورة احترام التنظيم النقابي
إن جوهر التحول الديمقراطي في سوريا يقتضي الفصل الواضح بين الدور التنفيذي للسلطة الحكومية، وبين الدور المهني للنقابات المستقلة. وتؤكد رابطة الصحفيين السوريين أن وضع المعايير المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي هو شأن نقابي بحت، يضطلع بهما الجسمان الممثلان للصحفيين، وهما رابطة الصحفيين السوريين واتحاد الصحفيين السوريين، باعتبارهما إطارين مهنيين يعبران عن إرادة الجماعة الصحفية. ولذلك فإن تدخل وزارة الإعلام في هذا المجال يقوض مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، ويفتح الباب أمام تسييس المعايير الأخلاقية واستخدامها كأداة ضبط إداري.
ثالثاً: الالتزام بالمعايير المهنية المعترف بها
إن الرابطة، في عملها النقابي، تستند إلى المعايير المعتمدة من الاتحاد الدولي للصحفيين، باعتبارها مرجعية مهنية مستقلة قائمة على حماية حرية الصحافة والمسؤولية الأخلاقية معاً. لذا فإن أي مدونة تصدر عن جهة تنفيذية، مهما كانت صياغتها، تُفقد المهنة حقها في التنظيم الذاتي، وتحوّل الأخلاقيات الصحفية من التزام مهني طوعي إلى أداة رقابية مقنّعة، وهو ما يتعارض مع جوهر الإعلام الحر ويناقض التزامات الدولة بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
رابعاً: انتهاك الالتزامات الدولية المضمّنة في الإعلان الدستوري
تنص المادة (12) من الإعلان الدستوري صراحة على أن: (“تعد جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري”).
وبناءً عليه، فإن الدولة السورية مُلزمة باحترام الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، ولا سيما اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية، ورقم 98 الخاصة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية، واللتين تحظران بشكل واضح تدخل السلطات في شؤون المنظمات المهنية. وعليه، فإن “مدونة السلوك” المطروحة من وزارة الإعلام تمثل خرقاً لهذه الالتزامات، ومحاولة لشرعنة التدخل التنفيذي في عمل مهني مستقل وشرعنة الرقابة بصبغة أخلاقية.
خامساً: التحذير من الارتداد عن مكتسبات الحريات
تحذر رابطة الصحفيين السوريين من خطورة تحويل وزارة الإعلام إلى جهة تضطلع بدور “الرقيب الأخلاقي” على الصحفيين ما سيؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج منظومة الرقابة، ويقوّض إمكانية بناء إعلام استقصائي حر، قادر على مراقبة أداء السلطة التنفيذية نفسها. إن أي مدونة مهما كانت صياغتها، لا تنبثق من النقابات المستقلة، تظل فاقدة للشرعية المهنية، مهما كانت عناوينها أو نواياها المعلنة.
سادساً: المسار البديل والمسؤول
تؤكد رابطة الصحفيين السوريين أنها تعمل فعلياً وبشكل مشترك مع اتحاد الصحفيين السوريين، وتنسيق مع الاتحاد الدولي للصحفيين، على وضع خارطة طريق شاملة لأولويات تنظيم قطاع الإعلام في سوريا، تشمل الإطار القانوني، والتنظيم النقابي، والمعايير المهنية والأخلاقية، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية وبناء إعلام حر ومستقل.
وفي هذا الإطار، ترحب الرابطة بالشراكة الكاملة مع اتحاد الصحفيين السوريين لإعداد وإعلان مدونة سلوك وميثاق شرف للصحفيين السوريين، على أن تكون مستمدة من ميثاق الشرف المعتمد من قبل الاتحاد الدولي للصحفيين، وعبر آليات ديمقراطية تعبّر عن إرادة الصحفيين أنفسهم.
سابعاً: الدعوة إلى التعاون في مكافحة خطاب الكراهية
وفي سياق موازٍ، تؤكد رابطة الصحفيين السوريين استعدادها للتعاون مع وزارة الإعلام، ومع اتحاد الصحفيين السوريين، في إعداد مسودة قانون وطني لمكافحة خطاب الكراهية، يستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويوازن بين حماية السلم الأهلي وضمان حرية التعبير، على أن يتم ذلك عبر مسار تشاركي تشريعي، لا من خلال أدوات تنظيمية تنفيذية مفروضة على الصحفيين.
بناءً عليه
تدعو رابطة الصحفيين السوريين وزارة الإعلام إلى الالتزام بحدود دورها التنفيذي واللوجستي، والكف عن التدخل في الشؤون المهنية والنقابية، واحترام استقلال الجسم الصحفي، بوصفه أحد أعمدة التحول الديمقراطي في سوريا الجديدة.