برزت في دمشق خلال الأيام الأخيرة ملامح دور متنامٍ لعائلة الرئيس السوري في إدارة ملفات الاقتصاد والعلاقات الخارجية، مع ظهور شقيقه في استقبال وفد سعودي رفيع قبيل توقيع حزمة اتفاقات بمليارات الدولارات. وبحسب تقرير نشره المونيتور، فإن هذا الحضور العائلي يعكس اتجاهاً متصاعداً لتكليف أشقاء الرئيس بملفات حساسة: الاستثمار الخليجي من جهة، وإعادة ترتيب العلاقة مع روسيا من جهة أخرى، بينما تراجع نفوذ شقيق ثالث بعد “خلاف” داخل دوائر الحكم.

استقبال سعودي واتفاقات بـ5.3 مليارات دولار
أظهرت لقطات تداولتها حسابات سورية على مواقع التواصل، إضافة إلى ما نشرته سانا، أن حازم الشرع—أحد أشقاء الرئيس—استقبل وفداً سعودياً كبيراً في دمشق يوم السبت، قبيل اجتماع رسمي شارك فيه مسؤولون سوريون وسعوديون.
ومثّل الجانب السعودي خالد الفالح، في حين شارك من الجانب السوري إلى جانب الرئيس كل من رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، ووزير الاتصالات السوري عبدالسلام هيكل، ووزير الطاقة السوري محمد البشير. وذكرت “سانا” أن الاتفاقات شملت مشاريع تحلية المياه وتطوير مطار حلب ضمن صفقات أخرى، فيما نقل التقرير عن الفالح قوله لقناة الشرق إن القيمة الإجمالية للصفقات تقارب 5.3 مليارات دولار.
ويذكر التقرير أن للرئيس ثلاثة أشقاء، وجميعهم أكبر منه سناً.
“حازم” ومسار الخليج: مجلس اقتصادي وعلاقات تمتد إلى أربيل
يضع التقرير حازم الشرع في قلب مساعي الحكومة الانتقالية لحشد دعم الخليج، مشيراً إلى أنه رجل أعمال منذ سنوات، وأنه لعب دوراً محورياً في تأمين انفتاح خليجي على دمشق في مرحلة ما بعد 2024.
وبحسب التقرير، سافر حازم إلى السعودية في ديسمبر/كانون الأول برفقة المدير العام لـصندوق التنمية السوري صفوت رسلان. وفي الشهر ذاته، قالت جمعية رجال الأعمال القطريين إنها عقدت اجتماعاً مع حازم ورسلان لبحث فرص الاستثمار المحتملة في سوريا.
كما أشارت وكالة الأنباء القطرية—وفق التقرير—إلى أن حازم يشغل منصب نائب رئيس “المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية السورية”، وهو مجلس أنشأه الرئيس في يوليو/تموز بهدف دعم التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمار.
ويضيف التقرير أن صفحة حازم على “لينكدإن” تفيد بأنه كان مقيماً سابقاً في أربيل في إقليم كردستان، حيث عمل في مناصب إدارية لدى عدة شركات للمشروبات الغازية، من بينها بيبسيكو، منذ عام 2012.
ويأتي ذلك، وفق التقرير، ضمن موجة استثمارات خليجية بمليارات الدولارات تدفقت إلى سوريا منذ تولي الشرع السلطة أواخر 2024، إذ أشار إلى تعهدات/اتفاقات كبيرة أبرزها:
-
إعلان سوري في يوليو/تموز عن استثمارات بقيمة 6 مليارات دولار في قطاعات متعددة.
-
توقيع كونسورتيوم بقيادة قطر اتفاقاً بقيمة 7 مليارات دولار لتزويد الكهرباء في مايو/أيار، إلى جانب تفاهمات أخرى.
“ماهر” وملف روسيا: من الطب إلى الدبلوماسية الرئاسية
في موازاة ملف الخليج، يذكر التقرير أن شقيقاً آخر للرئيس، ماهر الشرع، أصبح لاعباً محورياً في ترميم العلاقات السورية–الروسية، مستنداً إلى خبرته الشخصية وصلاته العائلية في روسيا.
وبحسب التقرير، رافق ماهر الرئيس في زيارته إلى روسيا في ديسمبر/كانون الأول، وشارك في اللقاء مع فلاديمير بوتين، وفق صور نشرتها وزارة الخارجية السورية آنذاك. كما أفاد التقرير بأن ماهر عُيّن في أبريل/نيسان أميناً عاماً للرئاسة، بعد أن كان يشغل سابقاً منصب وزير الصحة بالوكالة في الحكومة الانتقالية، ورافق الرئيس أيضاً في أول رحلة له إلى روسيا في أكتوبر/تشرين الأول.
ونقل التقرير أن نيويورك تايمز كانت قد ذكرت في ذلك الوقت أن ماهر يُعتقد أنه يتولى ملف الشؤون الروسية داخل الرئاسة.
ويعرّف التقرير ماهر بأنه طبيب نسائية درس في روسيا وتخرج من جامعة بورديِنكو فورونيج الطبية الحكومية عام 2000. ويمضي التقرير قائلاً إنه مارس الطب في سوريا خلال العقد الأول من الألفية، ثم عاد إلى مدينة فورونيج للعمل عام 2013، وفق تقرير نشرته وسيلة الإعلام الروسية Agentstvo في أبريل/نيسان. كما يذكر أنه عمل “مستشاراً صحياً” في شمال سوريا الخاضع آنذاك لسيطرة المعارضة في عامي 2022 و2023، وفق ما أورده سوريا تي في.
ويضيف التقرير أن ماهر متزوج من تاتيانا زاكيروفا (مواطنة روسية بحسب Agentstvo) ويتحدث الروسية.
وفي سياق العلاقة مع موسكو، يذكر التقرير أن روسيا كانت قد دعمت الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد عسكرياً خلال الحرب، لكن دمشق وموسكو اتجهتا للحفاظ على العلاقات بعد إسقاط الأسد في هجوم قادته هيئة تحرير الشام في ديسمبر/كانون الأول 2024، مع استمرار سيطرة الكرملين على قواعده في طرطوس وحميميم على الساحل السوري.
“جمال” خارج الدائرة: إغلاق مكتب بعد اتهامات باستغلال النفوذ
في المقابل، يشير التقرير إلى حدود النفوذ العائلي داخل بنية الحكم، لافتاً إلى ما أوردته رويترز في أكتوبر/تشرين الأول عن أن الرئيس أمر بإغلاق مكتب شقيقه جمال الشرع في أغسطس/آب، بعد أن “غضب” منه—بحسب رويترز—على خلفية مزاعم باستغلال صلة القرابة لتحقيق مصالحه التجارية.
ويذكر التقرير أن هذا التطور يتناقض مع الدور المتقدم لحازم وماهر في “البنية التحتية للدولة الجديدة”، مشيراً إلى أن رويترز كانت قد وصفت حازم في يوليو/تموز بأنه “الرجل الذي يشرف على إعادة هيكلة الاقتصاد السوري”.
وفيما تتسارع ملفات الاستثمار وإعادة التموضع الدبلوماسي، يبدو أن صعود أدوار الأشقاء يطرح أسئلة إضافية حول طبيعة صناعة القرار في دمشق، وكيف ستتوازن اعتبارات “بناء الدولة” مع حساسية الرأي العام تجاه تضخم النفوذ العائلي داخل مؤسسات الحكم، لا سيما في مرحلة انتقالية تتطلب—بحسب مراقبين—حوكمة شفافة وآليات مساءلة واضحة.