كشفت وثائق استخباراتية سورية عن خطة إعلامية – أمنية نُسبت إلى مدير إدارة المخابرات العامة آنذاك علي مملوك، هدفها مواجهة الاتهامات التي طالت “النظام السوري المخلوع” وحلفاءه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، عبر إنتاج سرديات مضادة وتوجيه التغطية الإعلامية بما يربك مسار التحقيق الدولي ويزرع “احتمالات” متنافسة حول طريقة التنفيذ والجهة المستفيدة.

وبحسب مضمون الوثائق، اعتبر مملوك أن الإعلام السوري كان “في حالة غيبوبة” أمام تطورات القضية واحتمال وصول لجنة التحقيق إلى أدلة تُدين دمشق، داعيًا إلى “تدابير استثنائية” تُحكم التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والأجهزة الأمنية لضمان هيمنة “المصادر السورية” على الأخبار المتعلقة بالتحقيق، مع الاعتماد على منصات “شبه رسمية” عربية ودولية، وترويج فكرة “تسييس التحقيق” بدل الدخول في مواجهة مباشرة مع اللجنة أو “تجريح الشهود” علنًا.
وتتضمن المراسلات إشارات إلى اجتماعات مع لجنة التحقيق الدولية، ووصفًا لطريقة أداء الضباط السوريين أمامها على أنها بدت “عفوية ومسؤولة” رغم وجود “تنسيق وتوجيهات مسبقة”، وهو تعبير تركته الوثائق دون شرح تفصيلي. كما ورد أن دمشق سعت إلى طرح “احتمال ثالث لتفجير موكب الحريري من الجو”، وهي الفرضية التي ظهرت لاحقًا في خطابات إعلامية وسياسية ربطت الاغتيال بإسرائيل والولايات المتحدة.
وتعرض الوثائق أيضًا لمسار “تبديل الروايات” بعد الاغتيال، بدءًا من تسجيل أحمد أبو عدس الذي بُث سريعًا وتبنّى العملية باسم جماعة متشددة، وصولًا إلى الدفع باتجاه تحميل تنظيمات أصولية مثل “جند الشام” المسؤولية، قبل أن تتوسع السردية باتجاه اتهام إسرائيل. وفي موازاة ذلك، تتحدث الوثائق عن العمل على إنتاج فيلم وثائقي يستهدف رئيس لجنة التحقيق الأولى ديتليف ميليس عبر الطعن بأهليته ونزاهة أساليبه في قضايا سابقة، ليبدو الفيلم “محايدًا” رغم طابعه الدعائي.
وفي خلفية هذه المعركة الإعلامية، يأتي اغتيال الحريري في 14 شباط/فبراير 2005، حين أدى انفجار ضخم في بيروت إلى مقتل الحريري و22 شخصًا، وفتح الباب أمام تحقيق أممي ثم انسحاب الجيش السوري من لبنان في 30 نيسان/أبريل 2005 بعد عقود من النفوذ الأمني والسياسي. كما أشارت تقارير لجنة التحقيق إلى توترات سياسية وتهديدات سبقت الاغتيال، فيما أدانت المحكمة الخاصة بلبنان لاحقًا عنصرًا من “حزب الله” هو سليم عياش، دون توجيه الاتهام للحزب أو لدمشق “لعدم كفاية الأدلة”.
وفي هذا السياق، يستند ما سبق إلى تحقيق استقصائي نشرته “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” بالتعاون مع موقع “درج”، قال إنه اطلع على وثائق من المخابرات السورية تتناول إدارة “العملية الإعلامية” خلال مهمة ميليس في دمشق، وتحركات موازية سياسية ودبلوماسية وإعلامية وأمنية استعدادًا لما وصفته المراسلات بـ”المواجهة”.
ويُذكر أن الوثائق تشير إلى استمرار الذهنية الأمنية – الإعلامية حتى سنوات لاحقة، إذ تحدثت عن تعميم صور وتسجيلات لشاهد ظهر عام 2014 وقدم معلومات على الهواء حول القضية، في محاولة لتتبعه وتحديد هويته. كما يبدو أن سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 أعاد فتح ملفات قديمة كانت تُدار خلف الكواليس، وبينها كيفية صناعة “الرواية الرسمية” عندما كانت التحقيقات الدولية تقترب من دوائر السلطة في دمشق.