14 مارس، 2026

واشنطن بوست: هلع وظائف الذكاء الاصطناعي مبالغ فيه… والأتمتة تستهدف الأعمال الرتيبة لا البشر

يرى مقال في واشنطن بوست أن موجة القلق المتصاعدة من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف المكتبية تتجاوز حجم الخطر الحقيقي، مؤكداً أن أتمتة بعض مهام الياقات البيضاء ليست “كارثة” بقدر ما هي إعادة توزيع لطبيعة العمل: تقليص للمهام الروتينية، مقابل توسيع الطلب على أدوار تتطلب حكماً وخبرة واستراتيجية.

ويشير المقال إلى أن جزءاً من هذا الهلع تزامن مع اضطرابات في أسواق الأسهم بعد إعلان شركة Anthropic تطوير ونشر “وكلاء” ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ مهام قانونية وتسويقية ومبيعات بشكل مستقل. وبرغم اعتراف الكاتب بأن الإمكانات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي كبيرة، فإنه يعتبر أن الاستنتاج القائل بأن البشر سيتحولون إلى “زائدين عن الحاجة” لا يستند إلى منطق تاريخي أو اقتصادي را

سوابق تاريخية: التكنولوجيا تُربك سوق العمل ثم توسّعه

يستند المقال إلى أمثلة من تاريخ الأتمتة لتفنيد سيناريو “الاندثار الوظيفي”. ففي القرن التاسع عشر، ورغم تحطيم “اللوديين” للأنوال، ازدهرت صناعة النسيج مع انخفاض أسعار القماش وارتفاع الطلب، ما زاد الإنتاج وخلق وظائف جديدة ورفع الأجور في نهاية المطاف. وفي القرن العشرين، كان يُعتقد أن أجهزة الصراف الآلي ستنهي وظيفة موظف البنك، لكن انخفاض كلفة تشغيل الفروع دفع البنوك إلى فتح فروع أكثر، فارتفع الطلب على العمالة المصرفية والأدوار المرتبطة بالخدمة والإدارة.

وبحسب المقال، فإن الذكاء الاصطناعي قد يبدو مختلفاً لأنه يتعامل مع مهام أكثر تعقيداً، لكن القاعدة الاقتصادية الأساسية تبقى ذاتها: عندما تنخفض كلفة إنجاز المهام، تتوسع الخدمات ويتزايد الطلب على أعمال أعلى قيمة.

مهنة القانون نموذجاً: الأتمتة قد تعيد توزيع الوقت لا تلغي المهنة

يتناول المقال قطاع القانون بوصفه من أكثر القطاعات المرشحة لتغيرات واضحة، مستشهداً بتراجع أسهم شركات مرتبطة بخدمات البحث القانوني والمعلومات مع تصاعد الحديث عن أتمتة مراجعة العقود والبحث والامتثال. ويقول الكاتب إن قلق المحامين مفهوم، لكنه يدعو إلى سؤال مختلف: ماذا يفعل هذا العدد الضخم من المحامين أساساً؟

ويستعرض المقال أرقاماً تشير إلى أن الولايات المتحدة تضم أكثر من 1.3 مليون محامٍ، وأن كثافة المحامين ارتفعت من 1.6 لكل ألف شخص عام 1970 إلى أربعة لكل ألف اليوم، وهو مستوى أعلى من دول صناعية كبرى. ويُرجع الكاتب ذلك إلى تراكم تعقيدات تنظيمية وقانونية على مدى عقود خلقت طلباً واسعاً على من يتعاملون مع “التعقيد”، لا بالضرورة على تحسين نوعي مماثل في فعالية النظام القانوني.

وينقل المقال تقديراً يفيد بأن 44% من المهام القانونية قابلة للأتمتة، خصوصاً أعمال التدقيق والصياغة المتكررة والبحث والامتثال. لكنه يرى أن هذا لا يعني اختفاء المهنة، بل انتقال المحامين من “أعمال النسج اليدوي” إلى أعمال تتطلب تقديراً وحسماً: استراتيجية التقاضي، تقييم المخاطر، التفاوض، وبناء الحجج.

الذكاء الاصطناعي “يستهدف الرتابة” لا الإنسان

يؤكد المقال أن ما تجيده الحواسيب تاريخياً هو أتمتة “الأعمال المملة” لا إلغاء الحاجة للبشر. وعندما تُؤتمت المهام الرتيبة، تنخفض الكلفة، ويرتفع الطلب على خدمات أكثر تقدماً، وتظهر أعمال جديدة أو تتوسع أعمال قائمة على مهارات لا تُختزل بسهولة في إجراءات آلية.

كما يذهب الكاتب إلى أن الولايات المتحدة لن تصبح أقل تقاضياً، وأن التنظيم لن ينكمش تلقائياً؛ بل قد يسهم الذكاء الاصطناعي نفسه في تسريع إنتاج لوائح جديدة. لكن التحول الأبرز—وفق المقال—هو أن وقت المهنيين قد يُعاد تخصيصه بعيداً عن الأعمال اليدوية الروتينية، باتجاه مهام تتطلب حكماً ومساءلة.

ويُذكر أن المقال ينتهي إلى خلاصة مفادها أن النقاش الدائر يخلط بين “أتمتة المهام” و“إلغاء البشر”: فالذكاء الاصطناعي، وفق طرح الكاتب، قد يضغط على الأعمال الرتيبة، لكنه في المقابل قد يوسّع النشاط الاقتصادي ويرفع كفاءة قطاعات كاملة، بما يدفع سوق العمل إلى إعادة التشكل بدلاً من الانكماش.

المصدر: واشنطن بوست