8 مارس، 2026

أورشليم بوست: التضامن الكردي–اليهودي ضرورة واقعية

في مقال رأي نشرته أورشليم بوست، اعتبر الكاتب Amed Mardin أن التطورات الأخيرة في شمال سوريا، وتحديداً في روجافا، لم تعد تُقرأ باعتبارها حلقة عابرة في صراع إقليمي، بل باتت تختبر حدود الأمن والهوية و”ضمير المجتمع الدولي” في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه المخاوف الكردية من تكرار سيناريو “الخذلان الدولي” أمام تهديدات وجودية.

ويطرح المقال أن محدودية تفاعل الرأي العام العالمي مع ما يصفه بتهديدات تواجه الأكراد، تعيد إبراز “أهمية فهم المسألة الكردية” بوصفها قضية هوية وحقوق وبقاء، لا مجرد نزاع عسكري أو تفاوض على وضع سياسي. ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن الحديث المتنامي عن تضامن كردي–يهودي ليس تعبيراً عاطفياً، بل مقاربة “أمنية واقعية” تتغذى من خبرات تاريخية متشابهة في التعامل مع الاضطهاد وفكرة الاعتماد على الذات.

ويستند الكاتب إلى سردية تاريخية تعتبر أن “الخريطة السياسية للشرق الأوسط” رُسمت فوق هويات مقموعة وشعوب مُنكرة، مشيراً إلى أن الأكراد خلال القرن العشرين جرى تقسيمهم بين أربع دول، وتعرّضوا – وفق توصيفه – لتفكيك ثقافي وفكري عبر حظر اللغة وتجريم الثقافة وتقييد التمثيل السياسي، ما خلّف ندوباً عميقة في الذاكرة الجمعية. ويضيف أن القمع، في كثير من الحالات، لا ينتج الخضوع بقدر ما يُنتج “وعياً” يتراكم مع الوقت.

وفي هذا السياق، يتوقف المقال عند محطة “الأنفال” في العراق بوصفها نقطة انعطاف في الوعي الكردي، ويشير إلى أن الهجوم الكيميائي في حلبجة لم يكن – بحسب الكاتب – مجرد مجزرة، بل لحظة كشفت حدود النظام الدولي وعجزه، وأسهمت في إعادة تشكيل نظرة الأكراد إلى العالم وإلى جدوى التعويل على الحماية الخارجية.

ويقارن الكاتب ذلك بما يصفه بالتجربة التاريخية لليهود: قرون من المنفى والاضطهاد والمذابح، وصولاً إلى المحرقة، والتي – وفق طرح المقال – رسّخت قناعة بأن الأمن لا يمكن إسناده بالكامل إلى “حسن نية” الأطراف الخارجية. ويرى أن هذه الخلاصة التاريخية كانت من روافد تشكّل فكرة الصهيونية وتمثلت سياسياً في قيام إسرائيل عام 1948، قبل أن يخلص إلى أن الأكراد اليوم يطرحون سؤالاً مشابهاً: هل يمكن ترك الأمن والبقاء على “ضمانات الآخرين”؟

“الشتات الكردي يتنظم” والتحالفات تتحول إلى خيار

ويربط المقال بين هذه الأسئلة وبين ما يصفه بتبدّل ملموس في سلوك الأكراد خارج الإقليم، مع حديث عن تنظيم أكبر للشتات، وزيادة المبادرات الدبلوماسية، وارتفاع أهمية بناء تحالفات استراتيجية. وضمن هذا الإطار، يقدّم الكاتب العلاقات الكردية–اليهودية باعتبارها تدخل “بعداً استراتيجياً” جديداً: صحيح أن إسرائيل تبدو الطرف الأقوى بحكم القدرات العسكرية والمؤسساتية والشبكات الدبلوماسية، لكنه يجادل بأن الاستراتيجية لا تُقاس فقط بميزان القوة الراهن، بل بتحولات بعيدة المدى.

ويذهب المقال إلى أن الأكراد، بحجمهم السكاني وموقعهم الجغرافي ووزن شتاتهم المتنامي، قد يتحولون إلى عامل حاسم في مستقبل الشرق الأوسط، لافتاً إلى أن نقاش “الوحدة القومية” داخل المجتمع الكردي يبدو – حسب رأيه – أكثر حضوراً من أي وقت حديث، مع مؤشرات على جهود تنسيق وتقارب بين تيارات سياسية كردية متباينة. ويستنتج الكاتب أن دعم مساعي الوحدة وبناء مؤسسات سياسية كردية “قوية وديمقراطية” قد يحمل نتائج لا تخص الأكراد وحدهم، بل قد ينعكس على الاستقرار الإقليمي ويخلق “عمقاً استراتيجياً” وفرص شراكات جديدة لإسرائيل.

الإعلام وحدود النقد… من سوريا إلى ما بعد 7 أكتوبر

ويخصص المقال حيزاً لدور الإعلام والخطاب العام الدولي، متحدثاً عن انتقادات كردية لما يُنظر إليه بوصفه “انتقائية” في حساسية بعض وسائل الإعلام الغربية تجاه قضايا المنطقة، مع الإشارة إلى سجالات طاولت مجلة Der Spiegel في سياق تغطيات تتصل بسوريا. كما يتوسع الكاتب إلى نقاشات شهدتها الساحة الإعلامية بعد هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تلاها من جدل حول سياسات الأمن الإسرائيلية، محذراً من اختلاط الحدود بين “النقد المشروع” و”معاداة السامية”، وما يمثله ذلك – وفق رأيه – من تهديد للقيم الديمقراطية.

ويختم الكاتب بدعوة إلى بناء مستقبل الشرق الأوسط على “أمن مشترك واعتراف متبادل” بدل استدامة العداءات القديمة، معتبراً أن شراكة قوية وطويلة الأمد بين الأكراد واليهود قد تقدّم نموذجاً جديداً للاستقرار الإقليمي، وأن “نداء روجافا” يتجاوز جغرافيا منطقة واحدة ليخاطب كل المجتمعات التي تتعامل بجدية مع الذاكرة والأمن والرؤية بعيدة المدى.

المصدر: أورشليم بوست