9 مارس، 2026

المونيتور: بعد هدنة قسد–دمشق… هل يبقى الملاذ الكردي آمناً للعلويين الفارين من الساحل؟

يطرح تقرير ميداني نشرته المونيتور سؤالاً ضاغطاً على واقع الشمال الشرقي السوري: بعد الهدنة “الهشّة” بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمشق، هل يبقى الإقليم الذي تديره القوى الكردية ملاذاً آمناً لآلاف العلويين الذين فرّوا من موجات عنف في غرب سوريا، أم أن ترتيبات “الاندماج” وفتح الممرات أمام قوات الدولة ستجعلهم أكثر عرضة للملاحقة والابتزاز والخوف؟

“إلى أين نذهب؟ ومن سيحمينا؟”

يرسم التقرير مشهداً إنسانياً قاسياً في القامشلي: علويون وصلوا منهكين، بلا مال ولا شبكة أمان، بعد أن فقدوا بيوتهم أو تشتتت عائلاتهم. وينقل عن لاجئين علويين قلقهم من أن الهدنة لا تعني نهاية الخطر، بل انتقاله إلى شكل جديد: قلق من إمكانية دخول أجهزة الدولة إلى مناطق كانت تُدار أمنياً من قسد، وما قد يترتب على ذلك من “تتبع” للفارين من الساحل أو من أحياء مختلطة.

هذا القلق يتغذى من ذاكرة أحداث عنف طائفي سابقة في المناطق الساحلية خلال 2025، والتي وثّقت تقارير دولية وقوع عمليات قتل على أساس الهوية، ما جعل العلويين من أكثر المجتمعات هشاشة في المرحلة الانتقالية.

اشتباكات يناير… ثم هدنة برعاية ضغط دولي

وبحسب التقرير، اندلعت اشتباكات عنيفة مطلع يناير بين قوات الحكومة ومقاتلين مرتبطين بقسد، واستمرت أياماً وخلفت قتلى وجرحى بين المقاتلين ومدنيين، فيما تركزت معارك وأحداث نزوح في نقاط حساسة مثل حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية في حلب.

وتزامن ذلك مع مسار سياسي–أمني أوسع: اتفاق وقف إطلاق نار/ترتيبات تهدئة في الشمال الشرقي وُقّع في 29 يناير 2026 برعاية ودفع أميركي، مع بقاء ملفات الدمج العسكري والسلطات الأمنية والمعابر والحقول النفطية نقاطاً شديدة الحساسية.
كما شهدت المنطقة لاحقاً دخول قوات تابعة لوزارة الداخلية إلى مواقع ومؤسسات في مدن كردية ضمن ترتيبات الاتفاق، وسط حذر كردي من الانزلاق إلى احتكاكات أو أعمال انتقام.

ما الذي يقلق العلويين تحديداً؟

يرى التقرير أن العلويين يخشون من نتيجتين متوازيتين:

  1. انكشاف الملاذ: الهدنة تمنح الدولة “وصولاً” أكبر إلى الإقليم الكردي، ما قد يبدّد شعور “الحماية غير الرسمية” الذي كان بعض العلويين يستندون إليه في مناطق قسد.

  2. ضعف الثقة بالضمانات: حتى لو نصّت الترتيبات على قيود على الانتشار العسكري الدائم أو على آليات تنسيق، فإن فجوة الثقة—خصوصاً لدى الأقليات—تبقى كبيرة.

وفي هذا الإطار، ينقل التقرير تقييماً للباحث جوشوا لانديس من جامعة أوكلاهوما مفاده أن كثيرين لا يثقون بأن السلطة ستلتزم بروح “المساواة”، ويرون أن قسد قد تُضغَط تدريجياً عندما تخفّ الرقابة الدولية أو ينشغل الخارج بأولويات أخرى. (ورد هذا التقدير في تقرير المونيتور).

“Save the Kurds Act”… حماية للأكراد لا تمتد تلقائياً للعلويين

يلفت التقرير إلى مفارقة لافتة: في حين يملك الأكراد رصيداً سياسياً في الغرب مرتبطاً بدورهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تظهر تحركات في واشنطن لحمايتهم تشريعياً، مثل مشروع “Save the Kurds Act” الذي قد يلوّح بإعادة فرض عقوبات إذا استُهدف الأكراد أو تعرضوا لهجوم من أطراف حكومية أو خارجية.
لكن التقرير يلاحظ أن هذا الزخم لا ينعكس بالضرورة على ملف العلويين، رغم توثيق منظمات حقوقية وأممية لوقائع قتل وانتهاكات على أساس الهوية في 2025.

ملف النساء: اختفاءات، خطف، وسجال “التحقيقات الرسمية”

يتوقف التقرير عند كون النساء العلويات من الفئات الأكثر تعرضاً للخطر في بيئة إفلات من العقاب، مع حديث عن اختفاءات وحالات خطف وترويع. وفي السياق نفسه، ظهرت روايات متباينة بين توثيقات مجتمع مدني نسوي وبين خلاصات تحقيقات حكومية قالت إن غالبية بلاغات الخطف التي راجعتها “غير صحيحة” باستثناء حالة واحدة.

لماذا لا “تُستنسخ” صفقة قسد مع دمشق للأقليات الأخرى؟

ينقل التقرير رأياً للباحثة ماريا فانتابي، رئيسة برنامج المتوسط والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الإيطالي للشؤون الدولية في روما، مفاده أن قسد راكمت “شرعية دولية” عبر قتالها تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما لا تملكه الأقليات الأخرى بالقدر نفسه؛ لذلك فإن ترتيبات 29 يناير بين قسد ودمشق لا يمكن افتراض تكرارها تلقائياً لصالح طوائف أو جماعات أخرى تشعر بالتهديد.

“الملاذ الكردي”… بين السياسة والموارد

يضيف التقرير أن سؤال الأمان مرتبط أيضاً بالاقتصاد والموارد: قدرة الإدارة الكردية على الاستمرار في دعم النازحين—خبز، وقود، ومساعدات أساسية—قد تتراجع مع خسائر جغرافية/اقتصادية أو مع نقل السيطرة على معابر وحقول نفطية إلى الدولة وفق مسار الدمج. وتحوّل هذا العامل إلى عنصر ضغط مباشر على اللاجئين العلويين الذين يعتمد بعضهم على دخل محدود أو مساعدات أو على الالتحاق بتشكيلات أمنية، في ظل انعدام بدائل اقتصادية.

خلفية أوسع: تحالفات أقليات، ومؤتمر الحسكة، وحسابات السويداء

يتوسع التقرير في الإشارة إلى محاولات من أقليات سورية—علويين، دروز، مسيحيين، وإيزيديين—لصياغة خطاب مشترك ضد “مركزية” دمشق وغياب الشمول السياسي، بما في ذلك لقاءات ومؤتمرات في الحسكة. كما يربط ذلك بتوترات جنوبية في السويداء وبأدوار شخصيات دينية مثل حكمت الهجري وعلاقات إقليمية مع إسرائيل، ما يجعل ملف الأقليات شديد التشابك مع صراعات النفوذ والشرعية.

الخلاصة: “الأمان” صار شرطاً سياسياً لا مجرد حماية ميدانية

تخلص قراءة التقرير إلى أن الهدنة بين قسد ودمشق، حتى إن خففت القتال، لا تُجيب وحدها عن سؤال الأمان للعلويين في الشمال الشرقي. فمصيرهم سيتحدد وفق ثلاثة عوامل:

  • سلوك الأجهزة الأمنية عند دخولها/تنسيقها داخل مناطق الإدارة الكردية، ومدى ضبط الانتهاكات.

  • تماسك قسد وقدرتها التفاوضية داخل ترتيبات الدمج، بما يشمل وضع الأقليات التي لجأت إليها أو قاتلت معها.

  • استمرار الاهتمام الغربي بالاتفاق كضمانة لعدم انفجار موجات نزوح جديدة أو عودة عنف طائفي واسع.

المصدر: المونيتور