تتجه الأنظار إلى شمال غرب إيران بعد تقارير عن مساعٍ أميركية–إسرائيلية لدفع جماعات كردية إيرانية معارضة في المنفى نحو تمرد مسلح ضد طهران، في خطوة يُراد منها نقل المعركة من الجو إلى الأرض. لكن تقديرات النجاح ما تزال ضبابية، ليس فقط بسبب قوة القبضة الأمنية الإيرانية تاريخياً، بل أيضاً لأن أطرافاً كردية وإيرانية معارضة تبدو منقسمة، ولأن إقليم كردستان العراق—حاضنة هذه الجماعات—يحاول تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

وفق ما ورد في التقرير، تحدثت وسائل إعلام أميركية عن أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بدأت من قواعدها في كردستان العراق توزيع أسلحة على فصائل كردية إيرانية، بهدف دعم هجوم بري يستهدف القوات الإيرانية التي أضعفتها أيام من الغارات الجوية. لكن حجم الدعم وتوقيته ومداه بقيت غير واضحة.
المؤكد، بحسب التقرير، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتصل الثلاثاء بـمصطفى هجري رئيس “الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني” (KDPI)، أقدم أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية. ونُقل عن مسؤول حزبي قوله إنهم يعتقدون أن لديهم “فرصة كبيرة الآن”.
داخل إيران، يقدّر التقرير عدد الأكراد بأكثر من تسعة ملايين شخص (نحو عُشر السكان). وعلى مدى عقود، قمعت قوات “الحرس الثوري” أي حراك كردي بقوة، وتستحضر الذاكرة الكردية أحداث احتجاجات 2022 بعد مقتل الشابة الكردية جينا/مهسا أميني، حين أطلقت قوات النظام النار على متظاهرين، وسقط قتلى وجرحى، وتحدثت شهادات عن مداهمات للمستشفيات وخطف مصابين.
قبل أسبوع من بدء الغارات الأميركية–الإسرائيلية على إيران، أعلنت خمس قوى كردية معارضة في شمال العراق (22 فبراير) تشكيل إطار موحد قالت إنه يهدف إلى “إسقاط الجمهورية الإسلامية” وتحقيق “حق تقرير المصير” وبناء “وحدة وطنية وديمقراطية”. ويستعيد التقرير هنا مثال “جمهورية مهاباد” الكردية القصيرة عام 1946 تحت مظلة سوفياتية، قبل انسحاب السوفييت ودخول الجيش الإيراني وإعدام قائدها.
يطرح التقرير أيضاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان من أبرز الدافعين لهذا المسار، وأنه قدم في لقاء سابق بالبيت الأبيض “تصورات تفصيلية” عن خريطة القوى الكردية وعدد من قد “ينهضون”. لكن الخطاب الذي يوحي بأن “التحرير بات جاهزاً” يصطدم بواقع أكثر تعقيداً: حكومة إقليم كردستان العراق أعلنت بعد إعلان التحالف الكردي أن الإقليم لن يكون منصة تهديد لأي دولة مجاورة، وأنه لن يسمح باستخدام أراضيه ضد الجيران.
في الوقت ذاته، تضاربت الإشارات. فبينما نُقل عن قيادي في KDPI (حسن شرفي) قوله إنهم على تواصل مع واشنطن ومستعدون لإرسال مقاتلين إلى إيران، صدر لاحقاً تصريح من البيت الأبيض يفيد بأن ترمب لا ينوي تسليح أي مجموعة هناك.
التقرير يسلط الضوء أيضاً على عامل الخوف داخل كردستان العراق نفسه: الحزبين الكرديين الرئيسيين في العراق (KDP وPUK) تجنبّا لسنوات استفزاز طهران خشية الرد العسكري أو توظيف إيران لخصوماتهما. وقد نفّذ “الحرس الثوري” سابقاً ضربات على مخيمات معارضة كردية في شمال العراق، وذكر التقرير أن مسيّرات سقطت مؤخراً قرب السليمانية، وسط قلق دائم من اختراق الاستخبارات الإيرانية للمنطقة—لدرجة أن مسؤولاً عراقياً كان قد حذر في نهاية 2022 من مراجعة الشرطة أو المستشفيات لأن “الجهاز مخترَق”.
أما حجم القوى الكردية الإيرانية في المنفى فغير محسوم. تقرير لأكاديمية “ويست بوينت” (2017) قدّر العدد بما يصل إلى 5500 مقاتل، مع التنبيه إلى أن الأرقام تبقى “أفضل تقديرات ممكنة”. ويزيد الانقسام المشكلة: فـPJAK (الذراع الإيراني لحزب العمال الكردستاني PKK) قد تملك قدرة على استدعاء مقاتلين من سوريا والعراق وتركيا، لكن فصائل أخرى تتهمها بالعمل “تحت الطاولة” مع طهران.
وعلى خط موازٍ، انفجر خلاف سياسي مع أبرز صوت معارض في المنفى، رضا بهلوي نجل الشاه المخلوع، الذي اتهم “جماعات انفصالية” بتقويض وحدة إيران، محذراً أن “السلامة الإقليمية” هي “الخط الأحمر النهائي”. ويرى أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني أن هذا الصراع المبكر يضرب وحدة المعارضة في لحظة يُفترض أن تكون مفصلية، متسائلاً: إذا لم تستطع المعارضة التوحد قبل أي انهيار محتمل، فكيف ستفعل ذلك بعده؟ ويشير التقرير إلى أن العلاقة بين التيار الملكي والذاكرة الكردية مثقلة أيضاً، إذ يُستذكر أن الشاه أمر عام 1947 بإعدام قاضي محمد، رمز “مهاباد”.
المصدر: دير شبيغل