15 مارس، 2026

المجلس الأطلسي: ما الذي يعنيه “الهجوم الكردي” داخل إيران إذا تحول إلى حقيقة؟

بينما تتسارع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، يبرز سيناريو شديد الحساسية في الإقليم: هل تدخل القوى الكردية الإيرانية على خط القتال برياً؟ سؤالٌ صار علنياً بعد أن قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، إنه سيكون “مع ذلك تماماً” عندما سُئل عن احتمال قيام الكرد بهجوم داخل إيران، وسط تقارير عن تسليح محتمل لهذه القوى لزيادة الضغط على طهران. خبراء “المجلس الأطلسي” حاولوا تفكيك هذا الاحتمال: من هم أكراد إيران؟ ماذا تريد أحزابهم؟ ما قدراتهم؟ وما الذي قد يكسبه أو يخسره الكرد والعراق والمنطقة إذا اتسع المسار إلى جبهة برية؟

من هم أكراد إيران؟ ولماذا علاقتهم مع طهران متفجرة تاريخياً؟

يذكر خبراء المجلس أن الكرد في إيران أقلية قومية ذات لغة وثقافة مميزة، يُقدَّرون بنحو 10–12% من السكان، ويقيمون على طول الحدود الغربية لإيران الحديثة منذ قرون. وخلال عقود طويلة، طالبوا بحيز أكبر من الحكم الذاتي داخل دولة مركزية يغلب عليها الطابع الفارسي، سواء في عهد أسرة بهلوي أو لاحقاً تحت حكم الجمهورية الإسلامية.

بحسب الخبراء، كان القمع بعد 1979 نقطة انعطاف حاسمة: كثير من الكرد دعموا الثورة حينها باعتبارها فرصة لطرح مطالب الحكم الذاتي، لكن المفاوضات مع الحكومة الجديدة حول “حكم محلي علماني” انهارت سريعاً وتحوّل الأمر إلى صدام مسلح. ويستعيد التقرير فتوى صدرت في أغسطس/آب 1979 عن آية الله روح الله الخميني تدعو قوات الدولة إلى سحق الكرد؛ ثم الدور الذي لعبه آية الله صادق خلخالي (المعروف بلقب “قاضي الإعدام”) الذي رافق القوات في بلدات كردية وأشرف على إعدامات ميدانية طالت رجالاً وفتياناً على خلفيات قيل إنها تتجاوز “الهوية الكردية” بحد ذاتها، وهو ما أثار غضباً دولياً وقتها.

ويضيف التقرير أن التهميش ليس أمنياً فقط، بل اقتصادي وثقافي أيضاً: متوسط دخل العائلة الكردية أقل من طهران ومدن كبرى أخرى، ورغم أن الدستور الإيراني يسمح نظرياً بالتعليم بلغات غير الفارسية، فإن تطبيق ذلك يُعرقل عملياً في مناطق كردية، وتُذكر حتى أمثلة عن منع أو التضييق على اختيار أسماء كردية للأطفال.

ثم جاءت موجة احتجاجات 2022 لتعيد الملف بقوة: مقتل الشابة الكردية مهسا/جينا أميني في عهد “شرطة الأخلاق” بعد احتجازها بسبب الحجاب، أشعل احتجاجات من سقز ثم اتسعت إلى كل المحافظات الإيرانية، لتصبح “الشرارة” التي أعادت طرح سؤال الهوية والحقوق والتمثيل السياسي في قلب المشهد الإيراني.

ماذا تريد الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة؟

يذكر الخبراء أنه في 22 فبراير/شباط اتفقت خمسة أحزاب كردية معارضة على تشكيل إطار جديد بعنوان “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران”. ثم انضم حزب كومله (Komala Party of Iranian Kurdistan) في 4 مارس/آذار بعد تردد أولي.

ويُبرز التقرير أن الائتلاف يضم أطيافاً مختلفة:

  • الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني KDPI (الأقدم والأكثر رسوخاً) بقيادة مصطفى هجري.

  • حزب حرية كردستان PAK (يقدمه التقرير بوصفه الأكثر نشاطاً عسكرياً في الشهور الأخيرة)، وقد نسب لنفسه هجمات على مواقع للحرس الثوري في كرمنشاه ولورستان حتى قبل اندلاع الحرب.

  • حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK وهو الأكثر تعقيداً من حيث “الأمتعة الإقليمية”، لكونه نشأ كامتداد للـPKK لكن على ساحة كردستان إيران، ويمتلك جناحاً مسلحاً هو وحدات كردستان الشرقية YRK يُقال إنها الأكثر كفاءة، وبين صفوفها مقاتلات نساء، ويتمركز جزء منها في جبال قنديل قرب الحدود الإيرانية–العراقية.

  • إضافة إلى خبات وأطراف أخرى أصغر لكل منها قوات بيشمركة خاصة بها.

أما الأهداف المعلنة للائتلاف، فتشمل: إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، وتحقيق تقرير المصير للكرد، وبناء نظام إداري “ديمقراطي” في ما يسميه الخطاب الكردي “كردستان الشرقية” (أي كردستان إيران). ويؤكد التقرير أن الهدف ليس “الانفصال” بوصفه مشروعاً معلناً، لكنه يترك شكل النهاية السياسية غامضاً: هل ستكون فيدرالية؟ هل تشبه نموذج إقليم كردستان العراق؟ هذا غير محسوم ويجري تركه “عمداً” من دون تحديد.

لماذا يشتبك هذا الطرح مع بقية المعارضة الإيرانية؟

يرصد التقرير أن هذا التمييز (تقرير المصير داخل إيران وليس انفصالاً) لم يهدّئ صراعاً مع أطراف معارضة أخرى، خصوصاً رضا بهلوي (نجل الشاه)، الذي اتهم جماعات كردية بأنها “انفصالية” تريد تفكيك البلاد، واعتبر “وحدة الأراضي الإيرانية” خطاً أحمر. ورد الائتلاف الكردي بدعوة “قوى الحرية” لمواجهة السلطوية. ويعتبر خبراء المجلس أن التوتر بين “تقرير المصير الكردي” و“الوحدة الإيرانية” يمثل صدعاً حقيقياً داخل الحركة الأوسع المناهضة للنظام، حتى لو كان الكرد يقولون إنهم لا يطمحون إلى السيطرة على مناطق غير كردية.

ما القدرة العسكرية للكرد… وما الذي يمكن أن تفعله واشنطن أو تل أبيب؟

هنا يقدّم التقرير تصورين متوازيين: إمكانات عملياتية على الأرض، ومخاطر سياسية كبرى.

من زاوية عملياتية، يذكر خبراء أن الحديث عن تحرك كردي بري يأتي في بيئة سبق “تهيئتها” بضربات أميركية وإسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية قرب الحدود الإيرانية–العراقية، ما قد يضعف عقد القيادة والسيطرة والدفاعات الجوية واللوجستيات التي كانت تحدّ من نشاط الجماعات الكردية. هذا قد يفتح “مساحة مناورة” لعمليات صغيرة ضد وحدات الحرس الثوري وأجهزة الأمن.

ويشير التقرير إلى أن الجماعات الكردية تحتفظ عادة بتشكيلات مشاة خفيفة بأسلحة من طراز AK وقذائف RPG ومدافع هاون، تنطلق من قواعد في إقليم كردستان العراق. كما يسلط الضوء على قوات مكافحة الإرهاب CTG في كردستان العراق، وهي قوة مدربة أميركياً، مختصة بجمع المعلومات والمداهمات والعمليات غير التقليدية، وتعمل بأسلحة متقدمة (مثل M4 وبنادق قنص Barrett وأنظمة رؤية ليلية)، ما يمنحها قدرة تنفيذ “عمليات دقيقة” إن توفرت البيئة السياسية واللوجستية.

أما كيف يمكن لواشنطن أو إسرائيل أن تدعم؟ فيضع التقرير قائمة احتمالات: مشاركة معلومات استخباراتية، تزويد جوي بالذخيرة والمعدات، دعم بمدفعية إضافية، إسناد جوي قريب ضد تشكيلات الحرس الثوري، إرسال فرق استشارية صغيرة من القوات الخاصة لتنسيق الضربات وتوجيهها (combat controllers) ومهام “مرافقة–مساندة–إرشاد” داخل الأراضي الإيرانية.

هل سيُسقط ذلك النظام… أم يمنحه ذريعة؟

هنا ينقسم خبراء المجلس إلى مدرستين واضحتين:

1) مدرسة التحذير (مفعول عكسي محتمل):
يرى بعض الخبراء أن أي تمرد مسلح قومي/إثني قد يكون “هدية دعائية” لطهران؛ إذ يسمح للنظام بتصوير الحرب على أنها مشروع “تفكيك إيران” بدعم أجنبي، ما قد يخلق تأثير “الالتفاف حول العلم”، ويدفع كثيراً من الإيرانيين المعارضين إلى الانكفاء بدل النزول إلى الشارع. وبحسب هذا الرأي، قد يفتت المعارضة ويقلص فرص تحول سياسي داخلي، وفي أسوأ/أفضل الاحتمالات قد يفتح الباب نحو حرب أهلية.

2) مدرسة “الإرباك التكتيكي” (فوائد عسكرية وسياسية مشروطة):
يرى آخرون أن دخول الكرد قد يخلق مشكلة عسكرية حقيقية لطهران عبر “تثبيت” القوات الأمنية في الغرب، وإشغالها على جبهة إضافية، بما يمنح المتظاهرين غير المسلحين في المدن الكبرى فرصة للتحرك دون أن يُقمعوا بسهولة. ويضيف أصحاب هذا الرأي أن الكرد إذا حصلوا على دعم كافٍ قد يقلصون ضغط طهران على الخليج وإسرائيل، بل وقد يشكلون “منطقة عازلة” إذا تمكنوا من السيطرة على أرض والاحتفاظ بها. لكن هذا—بحسب التقرير—يتطلب ألا يكون الدعم عسكرياً فقط، بل ضمانات سياسية واضحة لحقوق الكرد في أي إيران “ما بعد النظام”، حتى لا يُستخدموا مرة أخرى كقوة “قابلة للاستهلاك”.

وماذا عن كرد العراق؟ لماذا هم الحلقة الأشد خطورة؟

يضع التقرير نقطة شديدة الحساسية للجمهور الكردي والسوري: أي عملية عبر الحدود تحتاج عملياً إلى الأراضي العراقية (إقليم كردستان تحديداً) منصة انطلاق. لكن مصالح كرد العراق ليست مطابقة لمصالح كرد إيران. فالإقليم يركز على حماية وضعه الذاتي وأمنه واقتصاده، ويخشى أن يدفع ثمن مواجهة لا يريدها.

ويذكر الخبراء أن حكومة إقليم كردستان العراق نفت أنها جزء من الحرب، وأن إيران سبق أن قصفت مواقع داخل الإقليم، وأن الفصائل العراقية الموالية لطهران نفذت هجمات صاروخية ومسيّرة على مواقع هناك. ويستعيد التقرير هجوم يناير/كانون الثاني 2024 الصاروخي الإيراني على أربيل بوصفه نموذجاً لما قد يتكرر. وفي ذاكرة الإقليم أيضاً أن البنى الحيوية، بما في ذلك الطاقة، قد تكون ضمن أهداف الردع.

سياسياً، تزيد العقدة تعقيداً:

  • KDP تربطه علاقة وثيقة بتركيا وقد لا يرغب في تعكيرها.

  • PUK تاريخياً أقرب إلى إيران ومن غير المتوقع أن يخاطر بها.

  • وجود PJAK في المشهد يثير حساسية أنقرة بسبب ارتباطات PKK.
    كما أن بغداد لديها تفاهمات مع طهران لمنع استخدام الأراضي العراقية منصة لهجمات عبر الحدود، ما يضع الإقليم في تقاطع مصالح بغداد وطهران وواشنطن.

الانعكاسات الإقليمية: إيران، العراق، سوريا، وتركيا

يوضح التقرير أن النتائج ستعتمد على سؤال واحد: هل الدعم الأميركي–الإسرائيلي سيستمر سياسياً وعسكرياً أم سيكون مؤقتاً؟
استمرار الدعم قد يحدّ من الفوضى، لكن التخلي السريع قد يعني “ارتداداً” قاسياً على أكراد إيران وعلى أمن إقليم كردستان العراق أيضاً.

ثم تأتي تركيا كعامل ثانٍ: أنقرة تخشى أي مكسب كردي يمكن أن يشجع “عدوى قومية” عبر الحدود إلى تركيا والعراق وسوريا. وإذا شعر صانع القرار التركي أن مكاسب كردية تتبلور في إيران، فقد يدفع ذلك لخطوات استباقية لاحتواء النتائج—على نحو يشبه تدخلاتها السابقة في الساحة السورية.

المصدر: Atlantic Council