23 أكتوبر، 2026

كواليس تصويت البرلمان الأوروبي ضد الإخوان المسلمين ولماذا في هذا التوقيت

يطرح تصويت البرلمان الأوروبي الأخير ضد الشبكات المحسوبة على جماعة “الإخوان المسلمين” تساؤلات ملحة لدى المراقبين حول دلالات التوقيت وأسباب هذا التحوّل الحاسم.

شيروان إبراهيم – إرم نيوز

وقد تابعت “إرم نيوز” كواليس هذا التحرّك الذي يُدشن مرحلة جديدة وغير مسبوقة في التعاطي التشريعي والأمني للاتحاد الأوروبي مع ملف الإسلام السياسي، بعدما أقرّ البرلمان بأغلبية ساحقة قرارًا يدعو إلى صياغة إستراتيجية موحدة لمواجهة نفوذ الجماعة وتجفيف مصادر تمويلها وتفكيك آليات “تغلغلها الناعم” داخل المجتمعات والمؤسسات الغربية.

أسرار التغيير الأمني
وكشفت مصادر خاصة لـ”إرم نيوز” عن الأسباب الحقيقية التي حالت دون حظر الجماعة بشكل مباشر وفوري كمنظمة إرهابية داخل التقرير البرلماني.

وأوضحت المصادر أن البرلمان الأوروبي لا يملك الصلاحية القانونية والتنفيذية لإدراج التنظيمات على قوائم الإرهاب، إذ تقتصر هذه السلطة حصرًا على “مجلس الاتحاد الأوروبي” وبموجب أحكام قضائية أو قرارات صادرة عن سلطات أمنية واستخبارية مختصة في الدول الأعضاء أو دول ثالثة تثبت تورط الكيان في أعمال إجرامية.

وأضافت المصادر لـ”إرم نيوز” أن التقارير الأمنية الواردة من دول محورية، مثل: هولندا، وبلجيكا، والسويد، والنرويج، وأيرلندا، أحدثت صدمة لدى دوائر صنع القرار في بروكسل؛ بعدما أظهرت التحقيقات أن موجات الهجرة واللجوء المتتالية تحوّلت إلى بيئة خصبة جعلت من “الإخوان المسلمين” التنظيم الإسلامي الأكبر والأكثر تنظيمًا على مستوى القارة الأوروبية، متجاوزًا نطاق تمركزه التقليدي التاريخي في بريطانيا.

وأكدت المصادر أن الأجهزة الاستخبارية الأوروبية اطلعت على أدلة تقاطعت فيها التحقيقات مع عناصر وخلايا إرهابية تم توقيفها سابقًا وتنتمي لتنظيمي “القاعدة” و”داعش”؛ إذ تبيَّن أن الجذور الأولى والتثقيف الأيديولوجي الأوَّلي لعدد كبير من تلك العناصر نشأت داخل جمعيات ومراكز شبابية ودعوية تابعة لشبكة “الإخوان”، قبل أن ينتقلوا إلى مرحلة التنظيمات المسلحة والأعمال العنيفة.

لماذا سقط جدار الصمت الآن؟
وبحسب مصادر “إرم نيوز” فإن صدور هذا القرار في أكتوبر/تشرين الأول 2026 جاء نتيجة تقاطع تحوّلات سياسية وأمنية داخلية مع متغيرات إقليمية وضغط متصاعد أدّى إلى كسرة حالة الجمود التي استمرت لسنوات.

وتتلخص الأسباب في أربعة نقاط رئيسية لصدور القرار في هذا التوقيت تحديدًا في ربطها أولًا بتغير التوازنات التشريعية التي أفرزت انتخابات البرلمان الأوروبي صعودًا لافتًا لكتل اليمين ويمين الوسط؛ ما أتاح حشد أغلبية بلغت 381 صوتاً مقابل معارضة 167 صوتًا وامتناع 15 عضوًا، متجاوزة التحفظات التقليدية لأحزاب اليسار والخضر.

أما السبب الثاني فهو الضغط المتصاعد من العواصم كباريس، التي جاء القرار منها عقب تحركات استباقية من الجمعية الوطنية الفرنسية مطلع عام 2026 دعت فيها لشرعنة حظر الجماعة أوروبيًّا، بالتوازي مع خطوات ألمانية ونمساوية حازمة حظرت الرموز وشككت في نشاط ما يُعرف بـ”الإسلام السياسي المؤسسي”.

والسبب الثالث يكمن في ما يسمى بفضائح التمويل العام و”التغلغل الناعم” حيث يأتي هذا في وقت سابق بعد أن كشفت تقارير رقابية عن وصول منح ومساعدات من الميزانية الأوروبية لمنظمات شبابية وطلابية محسوبة على الإخوان، وفي مقدمتها “منتدى الشباب والطلاب المسلمين الأوروبيين” (FEMYSO)، تحت شعارات مكافحة التمييز والاندماج؛ ما دفع النواب للمطالبة بقطع التمويل الحكومي وحظر حضور هذه الكيانات في الفعاليات الرسمية للاتحاد.

أما السبب الرابع فقد يعود وبحسب المصادر، إلى تداعيات حرب غزة 2023 والاستقطاب الدولي والتطورات الإقليمية التي زادت من حساسية أجهزة الاستخبارات الغربية تجاه الروابط الفكرية والتنظيمية بين حركة حماس وشبكات الإخوان، وتزايد مخاوف بروكسل من توظيف الشارع الأوروبي لأجندات تصعيدية.

أبعاد الصراع وآليات الملاحقة
وفي قراءة إستراتيجية لأبعاد هذا التحرّك، يؤكد المستشار الإعلامي السابق لعدد من البرلمانيين الأوروبيين، كاوا رشيد، لـ”إرم نيوز”، “أن مشروع تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا ليس وليد اللحظة بل هو (مشروع قديم جديد)؛ إذ أُحيل أول طلب رسمي إلى البرلمان الأوروبي عبر ائتلاف الليبراليين والمسيحيين الديمقراطيين عام 2016 بطلب من مصر ومنظمات مجتمعية عربية، غير أنه تمَّ إهماله حينها لغياب الإجماع السياسي وعدم العودة للبرلمانات الوطنية.

وأوضح رشيد أن عودة هذا الملف اليوم وبشكل أكثر شراسة تتأسس على تحوّل خطير في جغرافية ونشاط التنظيم؛ إذ باتت قياداته تتمركز في دول، مثل: هولندا وبلجيكا، وتعتمد على تدفقات مالية ضخمة تلتف تحت مظلات قانونية تشمل جمعيات ثقافية، ودعوية، ومؤسسات لإقامة المؤتمرات، تزعم تقديم “إسلام حديث ومعتدل” لتغطية نشاطها الحقيقي.

وحول كيفية ملاحقة التنظيم في ظل عمله بأسماء ومسميات متعددة لجمعيات ومنظمات مدنية، كشف رشيد أن القوة المحركة للقرار الراهن تعود إلى إدراك الأجهزة الأمنية في دول مثل: السويد، النروج، بلجيكا، وهولندا، أن الأموال والمنح التي تُجمع أو تُنتزع من داخل الاتحاد الأوروبي تحت غطاء العمل الخيري يُعاد ضخها ونقلها عبر شبكات معقدة لدعم جماعات متطرفة ومسلحة خارج الحدود مثل حركة حماس في غزة، وفصائل في سوريا واليمن، إلى جانب تمويل حملات تستهدف استقرار دول عربية.

وبيّن رشيد أن آليات الملاحقة الأوروبية القادمة ستعتمد على تجفيف المنابع المالية، وتتبع العائدين من الجمعيات، وفرض معايير دقيقة للشفافية تحظر تقديم أيّ دعم عام للكيانات المحسوبة على أفكار الجماعة.

مستقبل المواجهة
وتؤكد المعطيات أن أوروبا عبرت مرحلة اللاعودة في التعامل مع ملف “الإخوان المسلمين”، إذ لم يعد النقاش محصورًا في مواجهة العمليات المسلحة المباشرة، بل امتد ليتناول آليات النفوذ الناعم والتمويل والعمل المؤسسي عابر الحدود.

ويبقى الاختبار الحقيقي رهنًا بمدى استجابة المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد الأوروبي لهذه التوصيات، وتحويل الموقف السياسي البرلماني إلى إجراءات تنفيذية وقوانين ملزمة تخضع للمراجعة القضائية.

ومع هذا التحوّل، يبرز تساؤل جوهري: هل تنجح العواصم الأوروبية في صياغة شبكة أمنية وقانونية محكمة لتفكيك التغلغل المالي والتنظيمي للإخوان دون المساس بالحريات الدينية والمواطنة، أم أن التباينات التشريعية بين الدول الأعضاء ستعيد فتح ثغرات جديدة تتيج لبعض التجمعات المدنية المحسوبة على الجماعة بالظهور مجددًا؟