15 مارس، 2026

اتفاق 26 نيسان بين الانهيار والاستمرار

شيروان إبراهيم – مقال رأي منشور بجريدة كوردستان

شهدت الساحة الكردية في سوريا محاولاتٍ متكرّرة لِلَمّ الشمل حول حدٍّ أدنى من المطالب المشتركة، لكنها تعثّرت تباعًا: أربيل 1، أربيل 2، ثم دهوك 1. ازداد التباعد السياسي في أكثر اللحظات حساسيةً وحاجةً إلى موقف موحّد، واستمرّ التشرذم حتى بعد سقوط الأسد بأشهر. مع ذلك، التقط الشارع الكردي أنفاسه في كونفرانس وحدة الصف بتاريخ 26 نيسان/أبريل 2025، يومٌ سُجّل كأول توافق كردي–كردي معلَن حول القضية الكردية أولًا، وشكل الدولة السورية ثانيًا.

لكن المخاوف لم تغب. أصواتٌ داخل المجلس الكردي وأخرى حريصة تخشى أن يلقى الاتفاق مصير أسلافه. حججهم معروفة ومحقة: فشل الاتفاقات السابقة، وبدء وفود «قسد» والإدارة الذاتية محادثاتٍ مع دمشق من دون الرجوع إلى المجلس أو إشراك الجهات الموقّعة على وثيقة الوحدة من خارج منظومة الإدارة، بل ومن دون الأخذ بمشورة الوفد الكردي المشترك المنبثق عنها. إنها هواجس مشروعة، إلا أنّ تقييم مصير الاتفاق يقتضي النظر إلى المعطيات المستجدّة لا إلى ذاكرة الإخفاق وحدها.

أولًا، تبدّلت بيئة الإقليم. التوافق الكبير بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان العراق خفّض تأثير التجاذبات الكردستانية العابرة للحدود على أقرانهم في سوريا. تلعب أربيل والرئيس مسعود بارزاني دور الوسيط بين قنديل وتركيا من جهة، وبين «قسد» وتركيا ودولٍ غربية داعمة للكرد في سوريا من جهة أخرى، مع ترابط هذه المسارات بمسار السلام في تركيا.

ثانيًا، الحضور الأميركي الكثيف — وإلى جانبه الفرنسي خلال العام الأخير — عزّز تماسك القنوات بين القوى الكردية داخل سوريا وخارجها، ضمن رؤية أوسع لفرض الاستقرار في الشرق الأوسط وسوريا. هذه الرؤية تدرك أن لا استقرار بلا معالجة جدّية للقضية الكردية، وأنّ أيّ حلول تحتاج إلى توافق داخلي كردي يُحسَب له حساب لدى العواصم المؤثرة.

ثالثًا، داخل سوريا نفسه توضّحت حدود الممكن. سلسلة أحداثٍ أمنية وسياسية — من توترات الساحل، إلى جرمانا وصحنايا والسويداء، وصولًا إلى تفجير كنيسة المريمية — تزامنت مع مؤتمر حوارٍ وطني همّش القوى الكردية، ومع إعلانٍ دستوريٍّ إقصائي أعاد إنتاج مركزيةٍ عروبيةٍ وسلطةِ فردٍ واحد. الرسالة وصلت إلى مختلف الأطراف الكردية: لا أفق لحقوقٍ دستورية عادلة من دون كتلة تفاوضية موحّدة تضبط التباينات تحت سقف مشترك.

انطلاقًا من ذلك، يبدو أن اتفاق 26 نيسان مرشّح للاستمرار لأسبابٍ لم تكن متاحةً في محطاتٍ سابقة: دعمٌ وضغطٌ غربي واضح، توافقٌ وضغطٌ كردستانيّ داعم، وواقعٌ سوريٌّ لا يمنح دمشق حافزًا لتقديم تنازلات إلّا تحت ضغطٍ سياسي منظّم. والتاريخ يُشير إلى أن معظم وحدات القوى تتماسك عند وجود خطرٍ مشترك وإدراكٍ بأنّ خرائط النفوذ تُرسَم لسنواتٍ قادمة.

أما محادثات «قسد» والإدارة الذاتية مع دمشق، فتندرج في اتفاقٍ موقّع بتاريخ العاشر من آذار/مارس بين «قسد» ومناطق سيطرتها والسلطة الانتقالية، ويعالج قضايا إدارةٍ وأمنٍ وخدمات. الملف الدستوري الكردي — حقوقًا وواجبات — لم تُفتَح بوّابته بعد، لأسبابٍ دوليةٍ وداخلية. لا موجب للقلق ما دامت قنوات التنسيق مفتوحة، وما دام دعم أربيل والرئيس بارزاني قائمًا، والعلاقة بين الجنرال مظلوم عبدي وقيادات الأطراف الأخرى مستمرّة، مع متابعةٍ أميركية وفرنسية يومية.

لكي تغادر الوحدةُ من خانة «الاتفاق» إلى ثقافةٍ سياسيةٍ مستدامة، لا بدّ من أنشطةٍ مشتركةٍ تتجاوز إدارة العلاقة مع دمشق: منصّاتُ حوارٍ دائمة، آلياتُ حلّ نزاعاتٍ داخلية، لجانٌ مهنية مشتركة في الاقتصاد والخدمات والتعليم، والاستفادةُ من تجربة إقليم كردستان العراق بعد 2003 في بناء مؤسساتٍ جامعة داخل بغداد وخارجها. بهذه الأدوات يُحوَّل 26 نيسان من تاريخٍ رمزي إلى مسارٍ عملي قابلٍ للصمود. وهو أمر قابل للتحقيق إذا توفرت الإرادة لدى القائمين على صنع القرار السياسي الكردي، أو عبر ضغط القواعد التنظيمية.

لمشاهدة الرابط الأصلي للمادة إضغط هنا