نشرت مجلة نيولاينز الأميركية المتخصصة في الشؤون الدولية والتحقيقات الاستقصائية والتحليلية تقريراً مفصلاً يتناول التحولات الجذرية في بنية السلطة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في أوائل ديسمبر 2024.
ويوضح التقرير الذي أعده الصحفي السوري كمال شاهين، كيف حلت بلدات ريفية مثل “حلفايا” و”إدلب” محل “القرداحة” كمركز للثقل السياسي والعسكري، حيث يتم تقاسم المناصب العليا في الدولة الجديدة بين البلدات التي قاتلت بضراوة خلال الثورة، مما أدى إلى خلق مجموعة من مراكز القوى المتنافسة.
حلفايا: من ساحات القتال إلى إدارة مفاصل الدولة يشير التقرير إلى أن سؤال “من أين أنت؟” في سوريا أخذ أبعاداً جديدة، حيث بات الانتماء لمدن مثل حلفايا أو إدلب مدعاة للفخر وتصنيفاً يضع أصحابه في خانة “مهندسي الثورة”.

وقد برزت مدينة حلفايا بشكل لافت في التشكيل الحكومي والأمني الجديد:
-
ينحدر من مدينة حلفايا وحدها -والتي لا يتجاوز عدد سكانها 30 ألف نسمة- ما لا يقل عن 20 شخصية في مناصب حساسة.
-
من أبرز هذه الشخصيات في الحكومة الانتقالية: وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ووزير التجارة الداخلية ماهر خليل الحسن (الذي أصبح لاحقاً نائب وزير الاقتصاد)، ووزير الزراعة محمد طه الأحمد (الذي أصبح سفيراً في مصر)، ووزير الأوقاف الشيخ علاء حسين الموسى.
-
تتولى شخصيات من حلفايا مناصب أمنية واقتصادية حيوية، حيث يرأس العميد محمد قرموز جهاز الأمن الداخلي، ويدير العقيد أحمد دغمة فرع الأمن الجنائي بدمشق، بينما يدير أيمن أبو قصرة (شقيق وزير الدفاع) معبر جرابلس الحدودي الاستراتيجي مع تركيا.
-
في قطاع الطاقة، تولى المهندس حسن أبو قصرة أربعة مناصب منفصلة في أقل من عام بعد عودته من تركيا إلى سوريا.
“أدلبة” الدولة واستحواذ عائلة الرئيس على المناصب لا يقتصر الأمر على حلفايا، بل يمتد ليشمل محافظة إدلب التي أصبحت ساحة التجنيد الأساسية للنخبة الحاكمة الجديدة، وفقاً للتقرير.
-
ينحدر خمسة من نواب وزير الدفاع من إدلب، من بينهم العميد فهيم عيسى واللواء محمد خير حسن شبيب.
-
شملت السيطرة قطاع الإعلام أيضاً، حيث تولت كوادر منصة “مبدعون سوريون” (التي كانت تعمل من إدلب) إدارة الإعلام الرسمي للدولة، إذ عُين علاء برسيلو مديراً عاماً لهيئة الإذاعة والتلفزيون، وباني فارون (خريج جامعة إدلب عام 2024) مديراً لقناة الإخبارية السورية.
-
يشير التقرير إلى أن عائلة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع تعد المثال الأبرز على تقاسم السلطة، حيث قام بتوزيع أهم المناصب على أفراد عائلته المباشرة خلال أربعة أشهر فقط.
-
عُين شقيق الرئيس، ماهر الشرع، أميناً للرئاسة، وشقيقه حازم رئيساً لهيئة الاستثمار.
-
تولى صهره أحمد الدروبي منصب الأمين العام للبنك المركزي، بينما عُين صهره الآخر ماهر مروان إدلبي محافظاً لدمشق، وهو المحافظ الذي أصدر قراراً مثيراً للجدل يحظر بيع الكحول في العاصمة.
-
عُين ابن عم الرئيس، أويس الشرع (35 عاماً)، رئيساً للأمن العام في دمشق، وتمت ترقيته من مقدم إلى عميد في غضون شهرين فقط، متجاوزاً بذلك مدة الـ 20 عاماً التي يستغرقها الضباط السوريون عادةً للحصول على مثل هذه الترقية.
“دولة سائلة” ومراكز قوى تتجاوز القانون يصف التقرير النظام السوري الجديد بأنه “دولة سائلة” نشأت عبر إجماع دولي، حيث ضمنت قوى مثل تركيا وغيرها حصتها من هذا الترتيب، مما خلق بيئة خصبة لظهور مراكز نفوذ محلية تعتمد على المحسوبية.
-
على عكس نظام الأسد الذي حافظ على “قناع” الدولة من خلال مؤسسات وآليات بيروقراطية للتوظيف (حتى وإن تم التلاعب بها)، يعتمد النظام الجديد بوضوح على روابط القرابة وتجاوز الإجراءات القانونية للترقيات.
-
تحولت الوزارات إلى عوالم مغلقة ومستقلة، حيث يوجد في كل وزارة “شيخ” غير معلن بخلفية عسكرية أو دينية يؤثر على السياسات لصالح التنافس على الغنائم والمناصب.
-
أدى غياب الرؤية الوطنية الموحدة إلى ظهور سياسات فرعية متضاربة في المحافظات، حيث حظر محافظ اللاذقية وضع مساحيق التجميل في الدوائر الحكومية، بينما حظر محافظ حماة التجمعات العامة.
-
يبرر بعض الإعلاميين التابعين للسلطة الجديدة، مثل حسن الدغيم، هذه التعيينات العائلية بأنها “طبيعية تماماً لأن البلاد تحتاج إلى كفاءات”، رغم أن السير الذاتية للمعينين لا تظهر أي خبرة سوى قربهم من المسؤولين.
تهميش مستمر للمواطنين في الريف والمدن رغم استحواذ أبناء الريف السوري على مفاصل السلطة، وغياب أسماء العائلات البرجوازية الحضرية التقليدية بشكل شبه كامل عن المناصب الحكومية، إلا أن الواقع المعيشي لسكان هذه البلدات لم يتغير.
-
بعد مرور عام ونصف على سقوط نظام الأسد، لا تزال مدينة حلفايا تعاني من إخفاقات خدمية كبيرة، حيث أسعار الكهرباء باهظة والرعاية الصحية سيئة.
-
أعمال إصلاح جسر “طيبة الإمام – حلفايا”، وهو الرابط الوحيد للمدينة مع حماة، مستمرة منذ ستة أشهر دون إنجاز قريب، في حين ينتظر النازحون إعادة الإعمار للعودة من المخيمات.
-
يخلص التقرير إلى أن الريف السوري عاد ليحكم البلاد مجدداً، ولكن عبر تشكيلات مسلحة تدير دولة أضعف وأكثر فوضوية من الماضي.
-
يحذر الكاتب من أن الفشل هذه المرة قد يأتي بشكل أسرع، لأن ما يحكم سوريا اليوم لم يعد “دولة”، بل هو عبارة عن “أرخبيل من مراكز الثقل المتنافسة”.