برزت خلال الأيام الماضية ملامح اتفاق سياسي–أمني جديد بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، وسط حديث متزايد عن ترتيبات ما بعد الحرب وتثبيت السلطة في عموم البلاد. وبحسب تقرير لموقع المونيتور (Al-Monitor) نقل عن مصادر دبلوماسية فرنسية، أسهمت فرنسا في الدفع نحو هذا الاتفاق خلال الأشهر الماضية، مع تركيز خاص على حماية الحقوق السياسية الكردية وبنود الحوكمة المحلية والتمثيل.

ماذا يتضمن الاتفاق؟
وفق ما أورده التقرير، ينص الاتفاق على دمج تدريجي للمقاتلين الأكراد ضمن الجيش السوري، وإدماج الإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية. كما يتضمن ترتيبات لضمان التمثيل السياسي للأكراد وترسيخ حوكمة محلية ضمن الإطار السوري العام، في محاولة للجمع بين متطلبات “المركز” ومطالب الشمال الشرقي.
واشنطن تقود… وباريس “تُكمّل” المسار
تقول المصادر الفرنسية إن الولايات المتحدة قادت الدفعة الدبلوماسية الأساسية، بما في ذلك تواصل مباشر من دونالد ترامب مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف تثبيت موقع الشرع كرأس للدولة الجديدة وترسيخ سلطته على كامل الجغرافيا السورية باعتباره—وفق المنطق الأميركي—مدخلًا لاستقرار الدولة. وبناءً على ذلك، ضغط الأميركيون باتجاه نقل الملفات الأمنية الثقيلة، خصوصًا سجون مقاتلي تنظيم الدولة ومعسكرات عائلاتهم، من يد “قسد” إلى سلطة الدولة.
ويلفت التقرير إلى أن نسخة سابقة بوساطة أميركية وُقعت في 18 يناير/كانون الثاني صيغت بطريقة رآها مسؤولون أكراد منحازة لمطالب دمشق الأمنية، مع تأجيل الشق السياسي الكردي. ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن ترامب نشر بعد يومين رسالة خاصة قال إنها من إيمانويل ماكرون يثني فيها على مقاربة واشنطن للملف السوري، ما عكس تداخلاً في المسارات أكثر من كونه تنافسًا.
وترى باريس—بحسب المصادر—أن مقاربتها مكملة للمقاربة الأميركية: الأميركيون يركزون على “تمكين الشرع” كعنوان مركزي للدولة، بينما ركز الفرنسيون على “التكامل السياسي للأكراد داخل الدولة السورية”. وفي اتصالات مع مسؤولي “قسد”، شجع مبعوثون فرنسيون الأكراد على قبول أجزاء من مطالب دمشق الأمنية، مقابل التشدد في بنود الحوكمة المحلية والتمثيل السياسي الكردي.
مكاسب إضافية مقارنة بالمسودات السابقة
يفيد التقرير بأن الاتفاق ينقل معتقلي تنظيم الدولة إلى العراق ويضع المخيمات تحت سيطرة الجيش السوري، لكنه—في المقابل—أمّن للأكراد مكاسب إضافية عن مسودات سابقة. ومن أبرز ما ورد في النص ضمان “الحقوق المدنية والتعليمية للشعب الكردي” وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
كما يشير التقرير إلى ترتيبات محتملة لتعيين مسؤولين أكراد في مواقع إدارية ومحافظات محددة، من بينها الحسكة، إضافة إلى مناصب حكومية (من دون حسم تفاصيلها بعد). وتقول المصادر الفرنسية إنها متفائلة بإمكان تمثيل “قسد” والأطراف الكردية بقدر ذي معنى داخل اللجنة المكلفة بصياغة الدستور السوري الجديد، باعتبار ذلك “الاختبار السياسي” الحقيقي لأي اندماج.
لماذا يهم ماكرون إبراز هذا الدور؟
ينقل التقرير أن فرنسا دعمت “القضية الكردية” تاريخيًا، وأن إبراز الجهد الفرنسي في الاتفاق بات أولوية سياسية لماكرون. لكنه يورد أيضًا انتقادات داخلية ترى أن التركيز الرئاسي على الملف الكردي يعكس—إلى جانب الاعتبارات المبدئية—محاولة لإظهار وزن دولي في لحظة ضغط داخلي على الرئيس.
حليف تاريخي للأكراد… من الثمانينيات حتى اليوم
يستعرض التقرير محطات من تاريخ العلاقة الفرنسية–الكردية، من بينها تأسيس معهد كردستان في باريس عام 1983، ودعم فرنسا لقرار مجلس الأمن 688 عام 1991 لحماية أكراد العراق، وزيارات دانييل ميتران إلى حدود إقليم كردستان وحضورها افتتاح برلمان الإقليم عام 1992.
كما يذكر التقرير افتتاح قنصلية فرنسية في أربيل عام 2008، وزيارات شخصيات كردية وعراقية رفيعة إلى باريس خلال العقدين الماضيين، ثم الدور الفرنسي بعد 2014 حين كانت فرنسا—وفق التقرير—أول دولة تقدم دعمًا ملموسًا للبيشمركة في مواجهة تمدد تنظيم الدولة، مع زيارات متبادلة على مستوى رؤساء الدول والحكومات.
ملف تنظيم الدولة… والبعد الفرنسي الحساس
يبرز التقرير أن الحرب على تنظيم الدولة عززت تحالف فرنسا مع القوى الكردية، وأن سياسيين فرنسيين كثيرين وصفوا الأكراد بأنهم “رفاق سلاح”. ويرد في التقرير أن أكثر من 1300 فرنسي انضموا بين 2011 و2016 إلى تنظيم الدولة أو جماعات مرتبطة به في سوريا والعراق، وأن مئات الأطفال وُلدوا لهؤلاء، ويعيش كثير منهم مع أمهاتهم في مخيمات كانت تحت حراسة القوات الكردية.
ويشير التقرير إلى أن السياسة الفرنسية تميل إلى محاكمة المتورطين في مكان ارتكاب الجرائم (مع استثناءات تتعلق بأحكام الإعدام)، وإعادة الأمهات غير المدانات وأطفالهن، بينما لم تقدّم الخارجية الفرنسية رقمًا محددًا لمن تبقى من المواطنين في المخيمات داخل سوريا.
فرنسا تعود إلى دمشق في عهد ما بعد الأسد
بعد سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تحركت باريس لإعادة الانخراط في سوريا. ويذكر التقرير أن السفارة الفرنسية في دمشق أُعيد فتحها “رمزيًا” مطلع 2025 لكنها لم تصبح تشغيلية بالكامل بعد، وأن السفير جان-باتيست فيفر لا يزال يقيم في بيروت، مع قيامه خلال الأسابيع الأخيرة بزيارات مكثفة لدمشق لدفع الاتفاق. كما يذكر التقرير دور مبعوثين فرنسيين واتصالات سياسية على مستويات متعددة.
ويضيف التقرير أن ماكرون أجرى خلال عشرة أيام اتصالات منفصلة مع الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، ثم أعاد الاتصال بهما بعد إعلان الاتفاق للتأكيد على التزام فرنسا بمتابعة تطبيقه وضمان صموده.
وفي قراءة كردية للوساطة، نقل التقرير عن كريم كمار، ممثل منطقة روج آفا في فرنسا، قوله إن الأكراد ممتنون لدور ترامب في تثبيت الاتفاق، لكنهم شعروا أن واشنطن كانت أكثر التزامًا بدعم الشرع منه بدعم المطالب الكردية، مضيفًا أن فرنسا “كانت دائمًا إلى جانبهم” وداعيًا ماكرون إلى مواصلة الدعم لضمان حماية الأكراد في سوريا.