9 مارس، 2026

نيويورك تايمز: بعد حظر الماكياج في اللاذقية.. مخاوف من تشدد محلي

أثار قرار صادر عن محافظ اللاذقية، محمد عثمان، يمنع الموظفات في مؤسسات الدولة والإدارات المحلية ضمن المحافظة من وضع المكياج أثناء الدوام الرسمي، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل في سوريا، تراوحت بين السخرية عبر “ميمز” لاذعة وبين القلق من مؤشرات اجتماعية محافظة قد تتوسع لاحقاً في ظل المرحلة الانتقالية.

وبحسب القرار الذي صدر الشهر الماضي، طُلب من العاملات في مؤسسات الدولة والقطاع العام في اللاذقية ــ بما في ذلك المدارس ــ “الامتناع عن وضع المكياج خلال ساعات العمل الرسمية”، مع التلويح بـ“المساءلة القانونية” بحق من يخالف. ومع انتشار الخبر، انتشرت سريعاً منشورات ساخرة تسخر من “لعنة” شعر الوجه لدى النساء وتقول إنهن سيصبحن “غير مميزات” عن زملائهن الرجال، فيما ذهب بعض المؤثرين إلى ربط القرار بأزمات الكهرباء التي تعيق العناية بالمظهر.

ومن بين أكثر المقاطع تداولاً، فيديو للمؤثرة السورية سلطانة فواز قالت فيه مازحة إن قرار حظر المكياج مع انقطاع الكهرباء الذي يمنع النساء من تصفيف الشعر قد يكون “خطة” لدفع النساء إلى تغطية الشعر والوجه، قبل أن تؤكد بنبرة ساخرة: “المكياج خط أحمر”، مضيفة أن الرجال هم من “يجب أن يحتجوا”.

ويأتي السجال في وقت يتحسس فيه السوريون—خصوصاً النساء—من أي قرارات قد تُقرأ باعتبارها خطوة نحو تضييق اجتماعي، في ظل حكومة انتقالية يهيمن عليها إسلاميون من فصائل سابقة. وبينما لم تُسجل قرارات مركزية واسعة بهذا الاتجاه، إلا أن انتقادات تتكرر حول إجراءات يقوم بها مسؤولون محليون أو عناصر أمن، مثل الحديث عن تغيير بعض المناهج، أو مصادرة آلات موسيقية أو كحول على المعابر، ما يعزز حساسية الشارع تجاه أي “إشارات” محافظة.

وفي سياق متصل، تزامن قرار اللاذقية مع خطوة محلية في إحدى ضواحي دمشق تمنع الرجال من العمل في “محال النساء”، وهو ما ضاعف المخاوف لدى بعض الشرائح من انزياح تدريجي نحو إجراءات اجتماعية أكثر تشدداً.

آراء متباينة داخل اللاذقية: “حرية شخصية” أم “مظهر مهني”؟

داخل اللاذقية نفسها، بدت ردود الفعل متباينة. لينا إسماعيل (48 عاماً)، وهي منسقة إعلامية في مديرية الصحة، قالت إنها ظنت القرار “مزحة” في البداية، معتبرة أن المكياج مسألة حرية شخصية، مع تفضيلها—في الوقت نفسه—وجود ضوابط “منطقية” على المبالغة.

في المقابل، رأت المحامية مارغريت جميل أن القرار قد يُفهم باعتباره محاولة لإعادة “المهنية” إلى مظهر موظفات القطاع العام، مشيرة إلى أن معايير العمل تراجعت خلال السنوات الماضية، وأن بعض الموظفات يذهبن إلى الدوام بملابس ومظهر أقرب إلى المناسبات الاجتماعية.

صحفية تعمل في التلفزيون السوري الرسمي (طلبت عدم الكشف عن اسمها) قالت إنها لم تصدق القرار عندما سمعته أول مرة، واعتبرته تعدياً على الحرية الشخصية وحقوق النساء، لكنها رجحت—بعد موجة الانتقادات—ألا يُطبق بصرامة.

هل بدأ تطبيق القرار؟

حتى الآن، قالت عدة نساء إن القرار لم يُطبق فعلياً بعد، فيما لا تزال آلية التنفيذ وتوقيته غير واضحة، وكذلك ما إذا كانت الخطوة ستواجه طعوناً قانونية. وفي رد لاحق على الانتقادات، حاول مكتب المحافظ تهدئة السجال بالقول إن التوجيه “لا يستهدف تقييد أي فئة أو المساس بالحريات الشخصية” المكفولة في “الإعلان الدستوري” والمحميّة بالقانون، مؤكداً أن الهدف هو تنظيم المظهر المهني وتجنب “الاستخدام المفرط” للمكياج في الوظائف العامة.

الناشطة الحقوقية والمحامية ديما موسى انتقدت القرار من زاويتين: الأولى قانونية، معتبرة أن القوانين والدستور يمنعان التمييز على أساس الجنس وأن القرار يمس بالحريات الشخصية؛ والثانية سياسية، إذ قالت إن قرارات كهذه تُقرأ دائماً من خلال خلفية من يتخذها، حتى لو لم تكن نية “أسلمة الدولة” مثبتة حتى الآن، مشيرة إلى أن ردود الفعل الشعبية المتكررة تُظهر أن المجتمع السوري—رغم محافظته—يرفض أن يُملى عليه ما يلبس أو كيف يبدو.

ويبدو أن الجدل لا يتعلق بالمكياج وحده بقدر ما يعكس حساسية السوريين من أي إجراءات تمس نمط الحياة والحريات الفردية في لحظة انتقال سياسي وأمني واقتصادي معقد، حيث يسأل كثيرون عن أولوية قرارات “شكلية” فيما تتراكم ملفات أكثر إلحاحاً على الأرض.

المصدر: نيويورك تايمز