15 مارس، 2026

دي فيلت: الإستخبارات الألمانية في مأزق قانوني حيال تصنيف حزب البديل كتيار متطرف

تقول صحيفة دي فيلت إن قرار المحكمة الإدارية في كولونيا بإيقاف خطوة تصنيف حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) مؤقتاً باعتباره “تياراً يمينياً متطرفاً مؤكداً” وضع هيئة حماية الدستور الألمانية (Verfassungsschutz) أمام مأزق إثباتي شديد الحساسية: فإما أن تقدم أدلة أقوى في الدعوى الأساسية، أو تخاطر بخسارة قضائية كبيرة قد تكون الأشد في نزاعها مع الحزب حتى الآن.

ويعود القرار إلى مسار بدأ منذ 2021 حين اعتبرت الهيئة AfD “حالة اشتباه” على المستوى الاتحادي، وهو تصنيف كانت المحاكم قد أيدته سابقاً لأنه يقوم على “مؤشرات واقعية” لوجود توجهات معادية للدستور داخل الحزب. لكن في مايو 2025 سعت الهيئة لرفع التصنيف إلى “يمين متطرف مؤكّد”، قبل أن تمنع المحكمة ذلك في إجراء مستعجل، معتبرة أن الأدلة المعروضة علناً لا تكفي لإثبات أن الحزب ككل يحمل “نزعة دستورية معادية شاملة” تُطبع صورته العامة.

وتنقل دي فيلت عن حيثيات المحكمة أنها ترى “يقيناً كافياً” بوجود توجهات مناهضة للنظام الديمقراطي داخل AfD، لكن الحزب ليس “مطبوَعاً” بهذه التوجهات إلى درجة تسمح بالقول إن لديه “توجهاً عاماً معادياً للدستور” يهيمن على صورته الكلية. وبناءً عليه، فإن الهيئة—إذا أرادت الفوز في القضية الأساسية—ستحتاج إلى “تدعيم ملفها” بأدلة إضافية.

“إما أدلة أقوى… أو هزيمة في القضية الأساسية”

يقول أستاذ القانون الدستوري ألكسندر تيله إن قرار المحكمة يمكن قراءته بوصفه دعوة للهيئة إلى “أن تُحضّر بشكل جدي وتضيف أدلة” في المرحلة التالية؛ إذ إن غياب أي إضافات قد يرجّح أن تكسب AfD الدعوى الأساسية أيضاً.

لكن هنا—بحسب خبراء نقلت عنهم دي فيلت—يبدأ “المأزق”: فإدخال أدلة جديدة قد يعني تقديم معلومات تم جمعها بوسائل سرية أو عبر مصادر بشرية، وهو ما قد يعرّض أساليب عمل الجهاز ومصادره للكشف. ويصف أستاذ القانون في ماينتس ماتياس بيكر الموقف بأنه صراع أهداف: العبء الإثباتي على الجهاز، وفي الوقت نفسه عليه حماية المصادر وطريقة العمل، ما يفرض قراراً دقيقاً حول ما يمكن كشفه أمام القضاء.

عقدة “الخطة السرية”

الزاوية الأكثر حساسية في قراءة دي فيلت هي ما تعتبره الصحيفة “معضلة الخطة السرية”: فبحسب لوكا مانس (مدير مركز أبحاث شؤون الاستخبارات في جامعة كولونيا)، يفهم من قرار المحكمة أنها لا تكتفي بإثبات تصريحات متطرفة لمسؤولين منفردين، بل تطلب عملياً—في هذه الحالات—ما يشبه إثبات وجود “خطة” خلف الكواليس تربط بين التصريحات الفردية وتُظهر توجهاً منظماً ضد النظام الديمقراطي.

ويضيف مانس أن تعدد الأصوات داخل AfD قد لا يُعتد به قانونياً إلا إذا كان يمكن إظهار أن “الأجزاء المُدانة” من الحزب تُدار مركزياً في الخفاء. لكنه يشكك في إمكانية وجود “خطة سرية منسقة” بهذا المعنى داخل حزب يعمل علناً وفي إطار قانوني. ويشرح أن AfD ليس تنظيماً سرياً أو “مجموعة إرهابية” تخطط لانقلاب في الظل، بل إن خطورته—وفق هذا التحليل—تأتي من قدرته على توفير مساحات قانونية للتطرف السياسي وشبكات شرعية للصعود إلى النفوذ.

هل أدوات الاستخبارات “تلائم” حزباً قانونياً؟

ويشير مانس إلى أن معظم المعلومات التي جمعتها الهيئة عن AfD حتى الآن جاءت من مصادر علنية مثل منشورات التواصل الاجتماعي أو تسجيلات خطب على يوتيوب. وحتى لو لجأت الهيئة لاحقاً إلى توسيع استخدام المخبرين أو المراقبة، يتوقع مانس أن يكون “العائد المعرفي” محدوداً، لأن هذه الأدوات—بحسب تقديره—لا تتلاءم جيداً مع تنظيم “قانوني/قانوناني” يعمل داخل الإطار السياسي الرسمي.

انتقاد قانوني: معيار المحكمة “صارم أكثر من اللازم”

في المقابل، تنقل دي فيلت عن خبراء قانونيين انتقادهم لصرامة معيار المحكمة. ويقول أستاذ القانون الدستوري ماركوس أوغوريك إن تصنيف المحكمة لبعض التصريحات المهينة والمتطرفة لمسؤولي الحزب بوصفها “منتشرة لكنها مبهمة” يرفع سقف الإثبات أكثر من اللازم، ويثير سؤالاً: متى يمكن—وفق هذه المعايير—اعتبار حزب حديث “مطبوَعاً” على عداء دستوري؟

ويذكّر مانس بأن الأحزاب بعد تجربة حظر NPD باتت تتجنب إدراج مطالب متطرفة صراحةً في البرامج والملصقات الانتخابية، ما يجعل تقييم “العداء الدستوري” يعتمد بدرجة أكبر على سلوك وتصريحات الأعضاء والكوادر. ويضيف أن منطق كثير من الخبراء كان يقوم على أن تكرار عدد كبير من التصريحات المعادية للدستور قد يمنح أساساً لإسناد التوجه للحزب ككل، إذا كانت منتشرة بما يكفي داخل صفوفه.

ماذا الآن؟

حتى إشعار آخر، تقول دي فيلت إن AfD سيبقى مُصنَّفاً لدى الهيئة “حالة اشتباه”، وهو ما يتوقع مانس إمكانية استمراره لسنوات لأن الحزب يشكل “هدف مراقبة كبيراً ومتغيراً بسرعة”. لكنه يشير أيضاً إلى أن المحكمة نفسها قالت إنها باتت تملك “اشتباهًا قويًا” ضد الحزب.

غير أن هذا الوضع—بحسب مانس—لا يمكن أن يستمر إلى الأبد: فإذا امتلكت الهيئة أدلة كافية، عليها رفع التصنيف، وإذا لم تتعزز الأدلة، فعليها في نهاية المطاف إنهاء المراقبة. وبين هذين الخيارين، يواجه الجهاز سؤالاً حساساً: كيف يثبت “خطر حزب قانوني” في المحاكم دون أن يحترق مهنياً وأمنياً بكشف أدواته السرية؟

المصدر: دي فيلت