بعد مرور أربعة أشهر على توقيع الاتفاق المعدّل للدمج ووقف إطلاق النار بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، كشف القائد العام لـ “قسد”، مظلوم عبدي، عن تفاصيل دقيقة وحساسة للمرحلة الانتقالية التي تمر بها مناطق شمال وشرق سوريا. وفي مقابلة حصرية ومطولة مع موقع “المونيتور”، تطرق عبدي للغضب الشعبي الكردي المتصاعد، ومآلات الاندماج العسكري والمدني، وخيبة الأمل من الدور الأمريكي، مفجراً مفاجأة حول وجود ترتيبات فعلية لزيارة العاصمة التركية أنقرة.

انفتاح على أنقرة: زيارة قيد الإعداد ولقاء محتمل مع أوجلان في المحور الأكثر حساسية، حسم عبدي الجدل الدائر حول التواصل مع تركيا. ورغم نفيه القاطع للتقارير الصحفية التي تحدثت عن لقائه بالسفير التركي في دمشق، نوح يلماز، واصفاً إياها بـ “غير الدقيقة”، إلا أنه أكد أن “الاتصالات مع المسؤولين الأتراك مستمرة”. وشدد على موقف “قسد” المتمثل في أنه “من المثمر أكثر أن تكون الحكومة السورية جزءاً من أي نقاش نجريه مع تركيا”.
وعند سؤاله عن إمكانية سفره شخصياً إلى أنقرة، كشف عبدي لأول مرة بالقول: “يمكننا القول إن خططاً كهذه قيد الإعداد حالياً”. وأضاف رداً على سؤال حول ما إذا كانت الزيارة ستتضمن لقاءً مع الزعيم الكردي المسجون عبد الله أوجلان: “نعم، قد يحدث ذلك”.
وأكد عبدي أن أوجلان لا يزال “زعيماً وطنياً يحظى بقاعدة جماهيرية واسعة في روج آفا وتأثيره لا يزال كبيراً”، مشيراً إلى أنه تلقى رسائل خطية منه قبل اندلاع حرب كانون الثاني/يناير. وفيما يخص المخاوف التركية المزعومة من وجود أسلحة ثقيلة على الحدود، وجه عبدي رسالة طمأنة قائلاً: “ليس لدى تركيا ما تخشاه، لقد أوضحنا دائماً أننا نريد علاقات جوار سلمية، وعلاوة على ذلك، نحن الآن جزء من الجيش السوري”.
كما أعلن عبدي أن إعادة فتح معبر “نصيبين-القامشلي” سيتم قريباً جداً، مبيناً أنه تم الاتفاق على موعد افتتاحه مع دمشق قبل أسبوعين، لكنه أُجل بسبب التوترات الأخيرة حول لوحة “القصر العدلي” في الحسكة، والتي تم نزع فتيلها.
مسار الدمج العسكري والمدني: التفاصيل والأرقام أكد عبدي أن تركيزه الأساسي حالياً ينصب على التنفيذ السليم لاتفاق الدمج مع دمشق، مع ضمان احترام خصوصية المنطقة الكردية. وأوضح الخطوات الملموسة في هذا الإطار:
-
عسكرياً: تم الانتهاء تقريباً من تشكيل أربعة ألوية عسكرية تابعة للجيش السوري ولكنها تتألف حصراً من مقاتلي “قسد” وبقيادة قادة من “قسد” (في ديريك، القامشلي، الحسكة، وكوباني). ويتولى “جيا كوباني” قيادة ألوية الجزيرة. كما أوضح أن “قسد” ستبقى موجودة ككيان حتى يكتمل مسار الدمج، ليتم حلها لاحقاً.
-
المدنيون والأمن الداخلي: تم الاتفاق على بقاء نحو 50 ألف موظف تابع للإدارة الذاتية في وظائفهم، على أن تدفع دمشق رواتبهم. كما ستبقى قوات الأسايش (نحو 15 ألف عنصر) سليمة ومستمرة في عملها في المناطق ذات الغالبية الكردية كجزء من الدولة السورية.
-
وحدات حماية المرأة (YPJ): في ظل رفض الحكومة إشراك النساء في مهام قتالية ضمن الجيش لأسباب يراها المركز قانونية، أوضح عبدي أن المفاوضات تتجه لدمج المقاتلات الكرديات ضمن قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية.
-
التعليم: أُبرم اتفاق نهائي يدخل حيز التنفيذ خلال أيام، يعترف بشهادات المرحلتين الإعدادية والثانوية الصادرة عن الإدارة الذاتية. وستعمل لجنة مشتركة خلال الشهرين المقبلين على تطبيق المناهج الوطنية وتترجمتها إلى اللغة الكردية للتدريس بها في المناطق الكردية.
مراجعة نقدية: الاعتراف بالخطأ التفاوضي في خطوة نادرة في السياسة الشرق أوسطية، أقر عبدي بوقوع أخطاء أدت لخسارة الرقة ودير الزور، معترفاً بأن “قسد” لم تظهر المرونة الكافية في المفاوضات المبكرة مع دمشق. وقال: “كلا الجانبين مسؤولان، الحكومة كانت تماطل، وخطأنا كان عدم إيجاد حل وسط. كان بإمكاننا بدء الدمج في المناطق ذات الغالبية العربية كالرقة ودير الزور، لكننا طالبنا بمعاملة المنطقة بأكملها كحزمة واحدة لضمان حقوق جميع المكونات”.
ونفى عبدي بشدة اتهامات تخلي القادة عن مواقعهم خلال الحرب الأخيرة، موضحاً أن الانسحاب من دير حافر جاء التزاماً باتفاق وقف إطلاق نار رعته واشنطن، وأن قواته تلقت أوامر بعدم القتال تجنباً لإراقة الدماء بعد انتهاك الجيش السوري للاتفاق.
خيبة الأمل من الموقف الأمريكي والرد على ترامب عبّر عبدي عن إحباطه من التحول المفاجئ في السياسة الأمريكية التي مالت لصالح الحكومة المركزية، قائلاً: “لم نكن نتوقع ذلك، كان بإمكان الأمريكيين استخدام ثقلهم لوقف الحرب في وقت أبكر قبل أن تتقدم القوات الحكومية”. ورداً على التصريحات المهينة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي اتهم فيها الأكراد بالاستيلاء على أسلحة مخصصة للمتظاهرين الإيرانيين ووصفهم بالمرتزقة، رد عبدي بهدوء: “أستطيع فقط أن أتخيل أنه تلقى معلومات مضللة… لم نأخذ أموالاً من أحد لكي نكون مرتزقة، الأموال خُصصت من البنتاغون لمحاربة تنظيم داعش، وقمنا بهذه المعركة لحماية العالم”.
ملف الأسرى والتحديات المستقبلية أشار القائد الكردي إلى أن ملف تبادل الأسرى يشهد تقدماً بطيئاً؛ حيث أفرجت الحكومة عن 900 شخص، وأفرجت قسد عن 500، ولا يزال هناك نحو 500 معتقل (نصفهم مقاتلون من قسد ونصفهم مدنيون أكراد) لدى الحكومة. وشدد على موقف “قسد” الإنساني في حماية مئات العلويين الذين لجأوا لمناطقهم هرباً من العنف وانضموا لقواتهم، مؤكداً سعي قسد للإفراج عنهم كمقاتلين ضمن صفوفها دون تمييز طائفي.
وفي ختام المقابلة، وحول المخاوف من الانزلاق نحو الفساد والصراع على السلطة (كما حدث في إقليم كردستان العراق)، اعترف عبدي بتزايد هذه المخاطر، مؤكداً أن الحل يكمن في إبقاء “الروح الثورية حية”، وترسيخ الوحدة الكردية، وبناء نظام شفاف وشامل. وختم قائلاً: “الأكراد في سوريا اليوم يفاوضون على حقوقهم رسمياً مع الحكومة… روحنا لم تُكسر، وصياغة التوافق سلمياً دون المساومة على كرامتنا وهويتنا الكردية هو مسارنا، فالأكراد في سوريا باتوا حقيقة لا يمكن تجاهلها”.