في لحظة سياسية ومجتمعية فارقة، تتجه منطقة عفرين شمالي سوريا نحو إغلاق واحد من أعقد ملفات الأزمات الإنسانية التي طالت المكون الكردي لسنوات. فمع انطلاق قوافل الدفعة الثامنة والأخيرة، يبدأ فصل جديد يعيد آلاف العائلات إلى مسقط رأسها، في خطوة تؤسس لترسيخ السلم الأهلي واستعادة الاستقرار الديموغرافي والاقتصادي في المنطقة بعد سنوات من الانتظار.

ووفقاً لتصريحات أدلى بها العميد محمود خليل، نائب قائد الأمن الداخلي في الحسكة، لوسائل إعلام كردية وسورية، فإن هذه المحطة تطوي فعلياً تداعيات مرحلة قاسية من الغياب عن الديار. وكشف المسؤول الأمني عن إحصائيات رسمية توثق عودة 8,720 عائلة كردية إلى عفرين حتى اللحظة، مشيراً إلى بقاء نحو 1,300 عائلة أرجأت عودتها مؤقتاً ريثما ينهي أبناؤها التزاماتهم التعليمية والعام الدراسي الحالي، ليتم تأمين عودتهم مباشرة وفورياً عبر الجهات المعنية بحسب ما نشرته وكالة نورث برس.
تفاهمات سياسية تعيد صياغة المشهد
والجدير بالذكر أن هذا الانفراج الاستراتيجي لم يكن ليتحقق لولا التفاهمات السياسية رفيعة المستوى التي جمعت الأطراف الفاعلة. وقد برز ذلك بوضوح من خلال توجيه رسائل شكر رسمية ومباشرة إلى الرئيس أحمد الشرع، وإلى القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الجنرال مظلوم عبدي.
هذا التنسيق المحوري بين القيادتين، وبمتابعة حثيثة من المبعوث الرئاسي الخاص المكلف بالملف، شكل رافعة أساسية لتنفيذ الاتفاق وتذليل العقبات اللوجستية، مما يبعث برسائل طمأنة بالغة الأهمية للمجتمع الكردي بوجود إرادة سياسية حقيقية لضمان استقرارهم واستعادة حقوقهم المدنية.
تكاتف مجتمعي ورؤية للمستقبل
وفي سياق متصل، سلطت التطورات الأخيرة الضوء على حالة التكاتف الاجتماعي التي ميزت سنوات الأزمة، حيث تم توجيه امتنان خاص لأهالي منطقتي الجزيرة والفرات على احتضانهم للعائلات النازحة من عفرين بكل تفانٍ. كما تم تثمين الدور التنظيمي والأمني الذي لعبته قوى الأمن الداخلي في الحسكة، وقوى الأمن العام في حلب، وإدارة منطقة عفرين لتسهيل حركة القوافل بشكل آمن ومنظم.
يُذكر أن طي ملف نازحي عفرين لا يقتصر على أبعاده الإنسانية والمجتمعية الخاصة بالمكون الكردي فحسب، بل يُعد حجر الأساس والبداية الفعلية لمسار وطني شامل يهدف إلى إنهاء أزمات النزوح في عموم سوريا، وبناء ثقة مستدامة بين مختلف المكونات لتعزيز التعايش وتثبيت أركان الاستقرار الشامل.